كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (اسم الجزء: 5-6)

ناقص الدولة العامرية، فشرد على أصحابه الموالي العامريين؛ وكان مجاهد لا يستظهر بشيء من الحزم، بل عمله في الأغلب من تدبيره بالغلبة والمناواة، وتعويله على المساماة، واستراحته إلى الغدر، فلا يزال أمره ينتقض مع لازم الحرمان الموكل به، حتى يرده على عقبه، فكم فض من جيش، وأذل من عزيز، وأباح من حمى، ووجه من فتح، يقال له ما بعده، حتى إذا هم أو كرب لم يلبث أن ينحسر عنه، ويعود في أكثر الأمر غمة عليه، ثم يلبد فيثب كاليث؛ له في هذا الباب كله أخبار مأثورة مشهورة، وقد قدمنا القول فيه أنه كان أديب ملوك ذلك الزمان؛ كتب يوما إلى المنصور حفيد ابن أبي عامر رقعة لم يضمنها غير بيت الحطيئة حيث يقول:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فانك أنت الطاعم الكاسي [61 أ]
فلما وردت الرقعة على المنصور أقامته وأقعدته، وكاد يمرق من إهابه، فضلا عن ثيابه، واستحضر أبا عامر [بن] التكرني فقال له: تطأطأ لها تخطئتك، واسمع المراجعة عنه، وعنون وبسمل، وكتب هذا البيت خاصة:
شتمت مواليها عبيد نزار شيم العبيد شتيمة الأحرار
فسلا المنصور عما كان فيه.
ولما نهض العبيد من شاطبة إلى طرطوشة واقتضت الحرب هنالك قتل

الصفحة 228