كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (اسم الجزء: 5-6)
والأثلب، فخرج وهو يجمجم، كالمتهم لي بزعمه، ولم يختلج قط في صدري تلك الحماقات، ولا شغلت سري تلك الهنات، يعلم ذلك من عنده مغيبات الأمور، ولديه خفيات الصدور. ولقد كنت أشفق عليه وأحرص على خيره، وكانت ظنونه على حسب سريرته، وتوهمه بمقدار معتقده، وبحق يقول أبو الطيب:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم [62 أ]
وعادى محبيه بقول عداته وأصبح في ليل من الشك مظلم
فسلط لسانه، وصدق ظنونه، وبلغتني قوارضه فلم أقارضه رغبة في فيئته، وحرصا على رجعته، وأما أنت فعذرك يضيق، وأنت الحميم الصديق؛ وقد كان انتهى الي ما عمرت به مجالس فيها الرئيس والمرءوس، وأنت بها المنادم والجليس، فقلت لمبلغ ذاك: هيهات! أبت الأعراق الزكية، والأخلاق السنية، أن أتنقص بحضرتها، أو ينسب إلي الكذب بمشهدها، فلما انتهى إلي تصديقك ما نقله الواشون، وأفكه الحاسدون، والله المستعان على ما يصفون، وستكتب شهادتهم ويسألون، قلت: صفرت وطاب المروة، ودرست آثار الأخوة، وطمست أعلام الرعاية، ونفقت سوق السعاية.