كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (اسم الجزء: 5-6)
والميلاء وبصبصا قرأوا قط موسيقى، ولا سمعوا بيطيقا، فاعرض إن شئت ألحانهم المطبوعة على أورانكم المصنوعة، فأظهر غلطهم في التنغم، وخطأهم في الترنم. على أنه من العلم المذموم] روي في الحديث: أن أول من غنى وناح إبليس حين أكل آدم من الشجرة؛ قيل وهوأول من عمل الطنبور؛ فلا مرحبا بعلم الأستاذ فيه إبليس اللعين، [وقد كان منهم من إذا غنى ثنت الوحش أجيادها وفارقت اعتيادها، وعطفت خدودها وتركت شرودها، مصغية إليه مقبلة عليه، فإذا قطع عاودت نفارها وطلبت أوكارها، هذا فعل الأوابد والوحوش الشوارد، فما ظنك بالقلوب الرقيقة، والفطن الرشيقة -! ولقد ألف الإسلاميون في الأغاني، وما يتصل بها من المعاني، ما إن نظرت بميز وحكمت بعدل، وقفت على الفضل في هذا الفصل، ولم تحو جك العصبية والنفس الغضبية، إلى شهادة الزور والجور المأزور.
وأما الأنالوطيقا والطوبيقا فهنالك جاءت الاحموقى والأخروقى، [201ب] وظهر عجز القوم وتبدلت أفهامهم وركدت ريحهم، وكثر تريحهم، وبان أنهم أغمار، ليس فيهم إلا حمار، وضل سعيهم في الحياة الدنيا لما إلى حيث تنفرد العقول بنظرها، والبصائر بفكرها، والأفهام باستنباطها، هنالك تاه المحزون، وخسر المبطلون، وتفرقوا شذر نذر وعباديد أباديد، فمنهم الدهرية القائلون ليس للعالم ابتداء ولا انتهاء، لا نثبت إلا بما شهدناه، ولا نعلم إلا ما عهدناه، فأنكروا حجج العقول والعلم