كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (اسم الجزء: 5-6)
المنقول، والدليل والمدلول، وهم يبصرون تعاقب الأضداد وتعاور الكون والفساد. ومنهم الطبيعيون وهو أيادي سبا وفرق شتى، قوم يقولون العالم من أصلين: هوائي وأرضي، فجمعوا بين الراسب والطافي، والكدر والصافي، وعلى هذا الرأي قال المتنبي:
تبخل أيدينا بأرواحنا على زمان هي من كسبه
فهذه الأرواح من جوه وهذه الأجساد من تربه
ومنهم القائلون: العناصر أربعة هي بسائط للمركبات، فقضوا بائتلاف المتضادات، وتركيب المتحادات، فجمعوا بين النار والماء، والأرض والهواء.
فإن قيل: كيف صارت متظافرة وهي متنافرة، وغدت متجاورة وهي متعاورة، وإذا كانت تتهارج، كيف تتمازج، أم كيف يمتزج الصاعد بالراكد ويلتبس الحار بالبارد - قالوا: جمعنا جامع، وقمعنا قامع، بطبعه لا باختياره، وبفعله لا باقتداره، وهذا غاية المحال، ونهاية الاختلال، لأنه لا بد أن يكون الخامس مثلها أو مثل بعضها، أو مخالفا لكلها. فإن كان مثلها أو مثل بعضها فلا حاجة بها إليه مع وجود مثله، وإن كان مخالفا لسائرها فلا بد من سادس لتغايرها [ثم كذلك إلى غير غاية] ولم قالوا أربعا - فإن قيل أيها أقدم ولمركزه ألزم -
[قال صاحب الكتاب: وبين أبو الطيب بطلان قولهم في احتجاج طويل، أضربنا عنه تركا وتخفيفا للتثقيل] .