كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (اسم الجزء: 5-6)
ذو الوزارتين الكاتب أبو عبد الله
ابن أبي الخصال أعزه الله
حامل لواء النباهة، بالروية والبداهة، مع منظر ووقار، وشيم كصفو العقار، ومقول أمضى من ذي الفقار، وله أدب بحره يزجر، ومذهب يباهي به ويفخر، وهو وان كان خامل المنشأ نازله، لم ينزله منازله، ولا فرع للعلاء هضابا، ولا ارتشف للسناء رضابا، فقد تميز بنفسه، وتحيز من جنسه، والذي ألحقه بالمجدن وأوقفه بالمكان النجد، ذكاء طبع عليه طبعه، ونجم في تربة النباهة غربه ونبعه، وتعلق بأبي يحيى بن محمد بن الحاج، وهو خامل الذكر، عاطل الفكر، فملك قياد مأموله، وهب من مرقد خموله، وقدح استعماله زناد ذكائه، وأبدى شعاع ذكائه، ولم يزل عاثرا معه ومستقلا، ومثريا حينا وحينا مقلا، إلى أن تورطوا [في] تلك الفتنة التي ألقحوا حائلها، وما لمحوا مخايلها، وطمعوا أن يغتالوا ملكا معصوما، وأبرموا من كيدهم ما غدا بيد القدر مفصوما، وفي أثناء بغيهم، وخلال جريهم الوبيل وسعيهم، كانت ترد عليهم من قبله كتب تحل ما ربطوه، وتروعهم مما تأبطوه: ورد عليهم كتاب في أحد الأحيان راعهم، وأنساهم جلادهم وقراعهم، وهو بمجلس أنس، فاستدعي للمراجعة عن فصوله، والمعارضة لفروعه وأصوله، فأبان عن الغرض، وخلص جوهره من كل عرض، وأبدع في إحكامه، وبرع في قضاياه وأحكامه، فحمل أبا يحيى بن محمد استحسان