كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 5)

حريقها، والتفت النور إلى ما جاءت به النفس، فخذلت فغاب ذلك النور في ظلمة هذا الصدر، وبقيت هواجس النفس عاملة على القلب، فقال الله -تبارك اسمه-: ((أنا عند ظن عبدي بي)).
معناه: أن القلوب بيدي، لم أكلها إلى أحد سواي، فأنا عند قلوب عبادي، وعند ظنونهم، فإذا ظن بي حسناً، حققت له ذلك، ولم أخيبه، فإذا ظن بي سيئاً، وكلته إلى سيئ ظنه، وتخليت عنه؛ لأني قد أعطيته من النور في القلب ما يؤدي إلى الصدر، وأعطيته في الصدر ما يضيء له، فيتصور له ما يؤدي القلب إليه، فإنما ضاع ذلك الضوء؛ لقوة ما أتت به النفس من دخان شهواتها، فالعبد ملوم على تقوية الشهوات؛ لأن تقوية الشهوات من استعمالها، فإذا استعملها، فقد قواها، وذلك بمنزلة أتون أو تنور، كلما ألقيت فيه الحطب، ازداد تلظياً ودخاناً، وإذا أمسكت عنه الحطب، انقطع الدخان، وسكنت الحرارة.
ألا ترى إلى قوله: {يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله}، ثم قال: {ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون}، فنسب الفعل في مبتدئه إلى الأموال والأولاد، فهما يلهيان القلب، ثم قال: {ومن يعمل ذلك فأولئك هم الخاسرون}، فعوقب العبد عليه،

الصفحة 226