كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 5)
أمه، وبيدها ماء، فسقته، ثم خرج مرة أخرى كذلك، فوجدنا كذلك على طرف المفازة، فلما نظر إليها، لم يجد في نفسه حزازة، وسكنت نفسه إلى علمه برأفة أمه، وتحننها عليه، فلو خرج على هذه الصفة مئة مرة، فوجدها كذلك، لم تحز نفسه، ولم تدخله تهمة في أمه أن لا تسقيه، فذاك لعلمه برأفة أمه، قد اطلعت نفسه على ذلك من رأفتها مطلعاً لو قيل له غير ذلك، لم يصدق، ولم تضطرب نفسه على ذلك منها، فإنما وثق بها من قبل علمه برأفتها به.
فالعبيد الموحدون إنما ظفروا بتوحيده لما أدركتهم رأفته، ورحمته، فوحدوه، ثم مع رأفته ورحمته عليهم، ستر عنهم رأفته ورحمته، ولو كشف عن القلب ذلك الغطاء حتى يعاينوا رحمته ورأفته معاينة اليقين منهم، ومعهم شهواتهم التي ركبت فيها، إذاً لاستبدوا، وجمحت بهم شهواتهم، فركبوا العظائم من الأمور، وضيعوا الحدود، فإذا ضيعوا الحدود، فسد التدبير في معاشهم، وخلق النار لأعدائه، ثم أشاع في المؤمنين خبرها ووصفها، كي يكون زجراً لنفوسهم، وقمعاً لشهواتهم، وستر عنهم الرأفة والرحمة التي ينالونها بحظوظهم منه، كي لا يستبدوا ويفسدوا.