كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 5)

فمن أدب نفسه، وقمعها، وراضها، ورفض شهواتها، انكشف الغطاء عن قلبه، فبالمعرفة استنار قلبه، ونظر إلى رأفته، ورحمته، وعطفه، وشفقته لم يكن بقي في نفسه من قوة الشهوة ما يستبد، ويجمح على حق الله تعالى، ففي النوائب يحسن ظنه بالله، ثم لا يحيك في نفسه شيء لمعرفته برأفته ورحمته، فاستقر قلبه، فهو الذي يقول له: ((أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)).
معناه: أنه يجدني قريباً وفياً بما أمل ورجا، وإنما يحسن ظن من انفرد له بين يديه، وأعرض عن نفسه، ورفع عنه بالها، وانكشف له الغطاء عن رأفته ورحمته، فاستقر قلبه، والآخر صاحب شهوات، واشتغال بنفسه، لو انكشف له الغطاء عن رأفته عليه، لأفسد أمره، وضيع حدوده، وركب شهواته، واستبد، واجترأ، فستر رأفته عنه، حتى يكون في مخافة وحذر.
ألا ترى أن الأنبياء -صلوات الله عليهم- لما سكنت شهواتهم، وماتت نفوسهم، وحييت بالله قلوبهم، بشروا بالنجاة، وبشر رسولنا صلى الله عليه وسلم بالمغفرة؛ للزائد من الخوف له من الله، والهيبة له والتعظيم، فلم تضره البشرى، بل زاده ذلك حتى تورمت قدماه من القيام بين يدي الله تعالى؛

الصفحة 229