كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 5)

قلوب العباد عند نظرهم إلى هذه الألوان؟ هل هو إلا سخنة عيونهم؟ وكيف لا تسخن عيونهم، وهم عميٌ عن لطائف الله، وبره وتدبيره ورحمته؟.
فلو نظر العبد إلى ورقة؛ لحار عقله فيها من العجائب التي في تلك الورقة؛ في رطوبتها، ولونها، وطعمها، وريحها، وقشرها، ولبها، ومقدارها، وتقطيعها، وهيئتها، ونقوشها، وتخطيطها، واللطف الذي حواها على هذه الصفة، هذه ورقة واحدة، فكيف بالثمرة؟ ثم كل شجرة لها ورق لا يشبه الأخرى.
فللمؤمن في هذا البصر بهجة، وأن تكون البهجة للمنيب، والمنيب الذي قد أناب بقلبه، فأقبل على الله، وفرغ قلبه لله من حشو الدنيا، وطهر قلبه من أدناس المعاصي، وكدورة الأخلاق، وفضول الدنيا، فقربه ربه وأدناه، ونقى قلبه بنوره، فاحتد بصره في خلقه، وفي صنعه وتدبيره، والمكب على نفسه في خلوٍّ من هذا الأمر إنما به شغل نفسه ماذا ينال منها من عاجل النفع أكلاً وتمتعاً واعتداداً؛ لما فضل منه؛ حرصاً على الدنيا، وجمعاً لها، قد اتخذ لنوائبه عدة دون الله، واعتمد عليه، كما وصف الله في تنزيله أعداءه فقال: {واتخذوا من دون الله آلهةً ليكونوا لهم عزاً. كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً}.
فهذه الطبقة من الموحدين قد شبهت سيرتهم، أولئك [الذين] حرصوا على جميع ما نالوا من هذه الدنيا، فاستولت عليهم بهجة النفوس؛ لينالوا بها عزاً، فجمعوا ومنعوا، ولهوا وسهوا، وقد تقدم إليهم فقال: {يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادهم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون}.

الصفحة 245