كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 5)
وبلغنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع نعيق راعٍ بغنمه، وهو ينفخ في قصبة، فخرج يجر رداءه فزعاً، يظن أن القيامة قد قامت، وذلك أنه قد قيل: {واستمع يوم يناد المناد من مكان قريبٍ}، فظن أنها تلك.
فسأل الإمتاع ببصره كي يعتبر.
ثم قال: ((واجعله الوارث مني)) لم يقل: واجعله وارثي، ولو كان هكذا؛ لكان يقول: فصلاً بين خروج الروح وخروج البصر، فإنه إنما يرثه من خلفه، ولكنه قال: ((اجعله الوارث مني)).
أي: اجعل بصري آخر ما يخرج مني، فتكون قد ختمت لي بالنبوة والسعادة، فيكون بصري هو الوارث لجوارحي من بين جوارحي؛ فإن هذه الأبصار قد اجتمعت في هذا البصر، فإني إن سلبتني النبوة والعقل والتوحيد، كان آخر ما يخرج مني لطافة الروح، وهو بصر العين فقط، وقد سلبتني قبل ذلك تلك الأبصار التي اجتمعت في ذلك البصر، وذلك لا يغني عني شيئاً؛ لأن نور الروح لا يعمل شيئاً دون نور العقل، والنبوة إذا كانت المعرفة مع نور العقل، فالسعيد من قبض روحه، وكان آخر ما يخرج منه بصر روحه فقط.
فلذلك سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمتاع ببصره؛ أي: يديم له ذلك إلى أن يفارقه روحه، وكان آخر ما يخرج منه بصره؛ لأنه كان متصلاً ببصر العقل، وبصر التوحيد، وبصر الولاية، وبصر النبوة، وبصر الرسالة، وبصر القيادة، حتى يكون ذلك ختاماً لأمره، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمن من مكر الله، ولا يقنط من رحمة الله، فإنما آمن بعد ما أمن، وبشر بالمغفرة بما كان ويكون، ووضع عنه وزره، فأما في بدء الأمر، فكان يخاف، وكيف لا يخاف وهو الذي يقال له: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم}.