كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 5)

لأن العبد في جميع عمره بين محبوب ومكروه.
فالإيمان يقتضيه: الشكر عند المحبوب، والصبر عند المكروه، وإذا وفى بهما، وفر إيمانه، فإذا طعم، فقد أتى بمحبوب النفس، فإذا شكرت، فقد أتت بنصف وفاء الإيمان، وإذا جاعت، فذلك مكروهها، فإذا صبرت، فقد أتت بالنصف الباقي، ثم هو في جميع الأعمال كذلك.
وإن العبد لما آمن بقلبه، واعترف بلسانه، امتحن صدق ما في قلبه، وامتحن طمأنينة نفسه بالإيمان بهذا المحبوب والمكروه، فإن أبرزهما بالجوارح في كل أمر، فأبرز عند المحبوب شكراً، وعند المكروه صبراً، فقد أتى بوفاء الإيمان، وهو قوله تعالى: {الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}.
فقوله: {الم} كأنه يقول: أنا أعلم بالناس، ولم أمتحنهم، وأنا أعلم بسرائرهم، فلم أتركهم وسرائرهم، وإن أظهروا القول حتى أبرز بالأعمال ما أعلم أنا منهم.
ثم قال: {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}.
فهذا علم الظاهر، وقد علم من قبل علم السرائر، والفتن: الحرق، وذلك أن الشهوة التي في بني آدم من المحفوف بباب النار فيها حرقة، فإذا أثارها محبوب من الأمور، فهي حرقة يقتضي عليها الشكر، وهو رؤيتها من خالقها، والمقدر لها، وإذا أثارها بمكروه، فهي حرقة يقتضي عليها الصبر للمقدر الحاكم القاضي عليه بذلك؛ ليظهر صحة إيمانه، فيباهي الله به يوم الموقف ملائكته وجنوده، إذا أتى الله بالشكر والصبر.

الصفحة 264