كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 5)

في ذلك الماء، حتى رطبه وأعذبه وبرده، فكانت رؤيته لذلك شكراً.
وأما النفس الثاني: إنما صار شفاء؛ لأن النفس الأول لما كان بهذه الهيئة، أذهب بالداء، وإذا ذهب الداء، جاءت نوبة الشفاء، فلما شكر هذا العبد في النفس الأول، استوجب من الله المزيد، وهو قوله: {لئن شكرتم لأزيدنكم}، فاجتلب في النفس الثاني المزيد، فصار شفاء؛ لأن البركة قد اشتملت على المزيد.
وأما النفس الثالث: فإنما صار مطردة للشيطان؛ للوترية التي فيه، فإن الله تعالى وترٌ يحب الوتر.
فالنفس الثالث: محبوبه، والنفس الثاني: شكره لعبده، وهو بمزيده، والنفس الأول: رحمته، فإنما انطرد الشيطان من صدره وقلبه؛ للوترية التي في النفس الثالث.
فعلى النفس الأول: سمة رحمته، وعلى النفس الثاني: سمة مزيده، وعلى النفس الثالث: سمة الوتر الذي هو فرد أحدٌ واحد، فوتريته نفت كل خلط في الأعمال مما يريد الشيطان أن يزاوجه؛ لأن الله -تبارك وتعالى- أبدى وتريته؛ لتكون الأعمال لله خالصاً، والشيطان مستعد لأن يزاوج الأعمال بما يورد على القلوب في تلك الصدور، والموحد ينفي مزاوجته بحظه من وترية الله تعالى، حتى يبطل كيده، ويصفو عمله للوتر.
ولذلك كانت العلماء تتوخى الوتر في كل شيء.
فأهل الباطن نالوا هذا العلم من الذي وصفت في الأصل، وأهل الظاهر اقتدوا بالظاهر من أمر الله -تبارك وتعالى-، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله، فأما قول الله تعالى في تنزيله: {ومن كل شيءٍ خلقنا زوجين لعلكم

الصفحة 266