كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 5)
الماء، فربما أولج في الماء خللاً حتى يشغله عن رؤية اللطف والربوبية.
فإنما ثبت له شكر النفس الأول بتوخيه الوترية، حين قطع النفس في الثانية طالباً لوترية الله فيه بالنفس الثالث، فإنما استوجب العبد رضا الله عنه في شربةٍ واحدة، لهذه الآداب التي دأب عليها مطيعاً لله، طالباً فيها حسن العمل، فإن الله -تبارك اسمه- قال: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}.
فأعلم أنه يبلونا أينا أحسن عملاً في الحياة؛ ليجزينا به بعد الممات، يبتغي منا حسن العمل، لا الكثرة والتخليط؛ فإن الكثرة في العدد إنما تكثر عند من يجوز أن يموه عليه ويخادع، والله تعالى لا يخادع، ولا يموه عليه، فقليل العمل إذا كان حشوه الحسن، فهو كثير؛ لأنه إنما حسنه العبد من حب الله تعالى وهيبته وإجلاله، فحسن العمل في كل شيء: أن لا يلتفت إلى رشوة من ربه، وطهارته: أن يكون لله خالصاً.
فهذه الشربة الواحدة إنما رضي الله عن العبد بها؛ لأنه يسمي في أولها، ويتنفس حين قطع الشرب للمزيد ليجتلبه؛ فإن المزيد أكثر من الشكر، ثم تنفس، فقطع؛ ليجتلب الوترية، فيتقي العدو الحاسد الذي قد أعد له في كل شيء حسداً، فيثبت له الشكر، ويدوم.
فإذا حمد الله، فقد ختمه بكلمة الصدق، فرضي عنه بتلك الكلمة الصادقة، وإذا حمده حمداً، مع تركه الأدب الذي وصفنا، كانت كلمته بالحمد مدخولة، يخاف ألا يستوجب الرضا، فإن رضا الله عن العبد له خطبٌ جليل، وشأن رفيع، وإذا رضي الله عن عبده، أثنى عليه في سمائه على عرشه،