كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 5)
قال أبو عبد الله رحمه الله:
فالإيمان عش الأمانة، والأمانة في جوفه كالفرخ الذي يتفقأ عن البيضة، ووكل العباد بتربيتها، كما يربي الطير فرخه في عشه، ويزقه، ويغدو في طلب تربيته، حتى ينقل إليه من أقطار الأرض، ويكتنفه، ويذب عنه، ويقاتل عنه من يرومه في عشه؛ تحنناً عليه، وشفقة وصيانة، حتى ينبت له جناح، ويطير معه.
فالمؤمن موكل بحفظ الأمانة، وقد قبلها مع قبول الإيمان، ولم يتم له الإيمان إلا بقبول الأمانة، وكانت مستورة، فأحب الله أن يبرزها حتى يقبلها آدم بارزاً ظاهراً، فيباشر قبولها بيده ولسانه، فمثلها له درةً بيضاء، وجعلها مستورة في جوفه، فعرضت على السماوات والأرض والجبال، فهبنها، وأشفقن منها؛ لأنه انكشف الغطاء لهن عن ذلك، وستر عن آدم عليه السلام.
وإنما عرضت على السماوات والأرض والجبال؛ لمكان آدم، والمقصود بذلك آدم، ولو قصد بذلك غير آدم، فأمر بقبولها، ولم يك عرضاً، فكان إذا قبلها، ثم ضيع منها شيئاً هو أو ولده، لكانوا يكفرون، ولكن الله تعالى لطف لآدم وولده، فجعلها عرضاً على السماوات والأرض، وعرض لذلك آدم حتى قبلها، وإنما قبلها؛ لأنه تحرك ما في قلبه من المتضمن