كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 5)
هتكته تلك الجارحة، انهتكت تلك الحرمة برفع حجابها، فقد خان الأمانة، ومثل ذلك مثل راكب يسير إلى الملك على راحلة نجيبة من النجائب، فإذا هو ساعةً بساعة ينيخها، فمن كثرة الإناخة صارت النجيبة صعبة، فحرنت، وخلأت، وصالت، واستبدت، فتركت نجابتها من كثرة الإناخة، فكذلك صاحب الأمانة إذا نزهها عن الخيانة، فهي نجيبة تطير به إلى الله، وفيها منجاة لكل نائبة تنوبه في الدنيا، وفي البرزخ، وفي المحشر، وعند الميزان، وعلى الصراط.
فالمتقون فهموا هذه القصة، فخرسوا ألسنتهم عن أن تنطق بما نهى الله عنه، والسمع عن الاستماع إلى ما نهى الله عنه، والبصر واليد والرجل والبطن، والفرج كذلك، وحفظوا القلب وساحته، وهي الصدر مع الله فيما بينه وبين الخلق، فكلما زلت جارحة من جوارحك بفعل حظره الله عليك، فقد ضيعت من الأمانة بقدرها، وانكسف من ضوء نورك بقدرها، ونقص من وزن إيمانك غداً بقدرها، فإذا أحكمت شأن هذه الجوارح السبع، وجعلتها في وثاق الأمانة، فقد نجوت من اقتضاء الأمانة جوارحك ما قلدت.
وإن كنت ممن فتح له الطريق، فسار إلى الله، صار حفظ الأمانة أصعب وأعظم خطراً، وأوفر حظاً من ثمرته؛ لأن العبد حتى الآن كان في كسب الجوارح عملاً ينال به أجراً، والآن قد وقع في كسب القلب سعياً إلى الله تعالى ينال به القربة، والحراسة هاهنا للأمانة من الخواطر، فإن