كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 5)
بامتناعه وفراره خائناً، وكذلك الدنيا إنما وضعت ممراً للعباد ومتزوداً، فمن اشتغل قلبه بالتمتع، صيره كالمستقر، فسلب يوم الخروج منها، وهو خائن لما وضع بيده منها، فهم مع هذه الخيانة يقومون بأداء الفرائض بلا توفير به، ويقومون باجتناب المحارم بلا صيانة ولا تقوى، إنما التقوى إذا خرجت شهوة تلك الأشياء من قلبه، فهذا الصنف الأول هم في أول منزلة من منازل الإيمان، فهم بعد في سفح الجبل، والرغبة معهم، فبالرغبة وقعوا في الخيانة.
ألا ترى أنهم لا يوفرون الفرائض، وإنما افترضت عليهم الفرائض؛ ليسد ما انثلم من العبودة التي قبلوها، فلما جاءت السيئات، كانت ثلمة يحتاج إلى سدها، فسدت بالفرائض، ولذلك قال: {يكفر عنكم}.
ألا ترى أنهم يجتنبون المحارم بلا صيانة ولا تقوى، وأنهم إن اجتنبوها، فعلوا ذلك من خوف العقاب غداً، ولم يلتفتوا إلى صيانة المعرفة التي في قلوبهم، فإن قال له علام الغيوب غداً: إن معرفتي كانت خلعتي على قلبك، فاجتنبت محارمي، شفقةً على جلدك ولحمك، ولم تلتفت إلى خلعتي، فتخاف عليه الدنس والغبار، وإنما عظم شأن جسدك، وجل قدره بهذه الخلعة التي بها طاب جسدك، فباليت بالجسد، فاجتنبت المحارم؛ توقياً عليه، لا توقياً على خلعتي، فماذا يقول هذا العبد؟
فهذا من دناءة المنزلة، فإنما عم ما قلنا على أهل الرغبة في الدنيا،