كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 5)

الخلق، واطمأنت نفوسهم إلى ما عنده، فالخلق قد أمنوهم على النفوس والأموال، ولم يأمنوهم على الدين.
وأما الصنف الثالث في المنزلة الثالثة من الإيمان:
فهم قوم قد بلغوا ذروة الإيمان، وإنما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذروة؛ لأنه شبيهٌ بالجبل، والنفس كريشةٍ طياشة تهب بها الريح، فكلما كان الجبل أثقل، كانت الريشة أسكن، حتى إذا بلغ العبد ذروة الإيمان، كان على قلبه جبل، والنفس تحته مضغوطة لا تقدر على التحرك، فلا يزال كذلك تحت أثقال المعرفة، حتى تصفو من عصارتها، وتسيل منها تلك الفضول، حتى تيبس عن رطوبة الشهوات، كما ييبس الكسب الذي قد عصر تحت الأثقال حتى سال دهنه، وبقي ثفله يابساً، فعند ذلك تجدها قد ماتت شهواتها، وخمدت نيرانها خموداً، افتقد حرها، فهذا الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنزلة الثالثة من قوله: ((ثم الذي إذا أشرف على، طمعٍ تركه لله)).
فالغني بالله في ذروة الجبل، وهو أعلى الإيمان، أولئك الذين يأمنهم الخلق على دينهم، فتقبل القلوب مواعظهم، وإشاراتهم إلى الله؛ لأنهم يسيرون إلى الله، وقلوبهم بين نور الحق، ووقار الإيمان، فإذا نطق أحدهم،

الصفحة 423