كتاب جامع الصحيحين لابن الحداد (اسم الجزء: 5)

[110] ذكر الفتح بظهور المسلمين في زمان عمر، وقد أخرج البخاري من ذلك سطورا خمسة أو ستة، وخرجته بتمامه
4071 - (خ) - حدثنا عبد الله بن الحسين وغيره، قالا: أنا محمد بن موسى، قال: ثنا محمد بن يعقوب، قال: ثنا هلال بن العلاء، قال: ثنا عبد الله بن جعفر، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: ثنا سعيد بن عبيد الله، قال: ثنا بكر بن عبد الله المزني وزياد بن جبير:
عن جبير بن حية قال: بعث عمر الناس في أفناء الأنصار يقاتلون المشركين، قال: فبينا عمر كذلك إذ أتي برجل من المشركين من أهل الأهواز قد أسر، فلما أتي به قال بعض الناس للهرمزان: أيسرك أن لا تقتل؟ قال: نعم، وما هو؟ قال: إذا قربوك من أمير المؤمنين، فكلمك فقل: إني أفرق أن أكلمك، فإذا أراد قتلك فقل: إني في أمان؛ إنك قلت: لا تفرق، قال: فحفظها الرجل، فلما أتي به عمر قال له في بعض ما يسائله عنه: إني أفرق، فلما فرغ من كلامه ساءله عما شاء الله، قال: #149# ثم ساءله، ثم قال له: إني قاتلك، قال: فقال: قد آمنتني، فقال: ويحك! ما آمنتك! قال: قلت: لا تفرق، قال: صدق، أما لي فأسلم، قال: نعم، فأسلم، قال: إني مستشيرك في مغازي هذه؛ فأشر علي في مغازي المسلمين، قال: نعم يا أمير المؤمنين، الأرض مثلها ومثل من فيها من الناس من عدو المسلمين؛ مثل طائر له رأس وله جناحان وله رجلان، فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح والرأس، وإن كسر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس، وإن شدخ الرأس ذهبت الرجلان والجناحان والرأس؛ فالرأس كسرى، والجناح قيصر، والجناح الآخر فارس، فمر المسلمين أن ينفروا إلى كسرى.
قال بكر وزياد جميعا: عن جبير بن حية، قال: فندبنا عمر واستعمل، علينا رجلا من مزينة يقال له: النعمان بن مقرن، وحشر المسلمين معه، قال: وخرجنا فيما خرج من الناس، حتى إذا دنونا من القوم، قال: وأداة الناس وسلاحهم الحجف والرماح المكسرة والنبل، قال: فانطلقنا نسير، وما لنا كثير خيول –أو: ما لنا خيول-، حتى إذا كنا بأرض العدو، وبيننا وبين القوم نهر خرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفا حتى وقفوا على النهر، ووقفنا من حياله الآخر، قال: يا أيها الناس! اخرجوا إلينا رجلا يكلمنا، فأخرج إليه المغيرة بن شعبة، وكان رجلا قد تجر وعلم الألسنة، قال: فقام ترجمان القوم، فتكلم دون ملكهم، قال: فقال للناس: ليكلمني رجل منكم، فقال المغيرة: سل عما شئت، فقال: من أنتم؟ فقال: نحن أناس من العرب، كنا في شقاء #150# شديد وبلاء طويل؛ نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر، فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السموات ورب الأرض إلينا نبيا من أنفسنا، نعرف أباه وأمه صلى الله عليه وسلم، فأمرنا نبينا رسول ربنا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا أنه: من قتل منا صار إلى جنة ونعيم لم ير مثله قط، ومن بقي منا ملك رقابكم، قال: فقال الرجل: بيننا وبينكم بعد غد حتى نأمر بالجسر يجسر، قال: فافترقوا وجسروا الجسر، ثم إن أعداء الله قطعوا إلينا في مئة ألف، ستون ألفا يجرون الحديد، وأربعون ألفا رماة الحدق، قال: فأطافوا بنا عشر مرات، قال: وكنا اثني عشر ألفا، فقالوا: هاتوا لنا رجلا يكلمنا، فأخرجنا المغيرة، فأعاد عليهم كلامه الأول، فقال الملك: أتدرون ما مثلنا ومثلكم؟ قال المغيرة: ما مثلنا ومثلكم؟ قال: مثل من له بستان ذو رياحين، وكان له ثعلب قد آذاه، فقال له رب البستان: يا أيها الثعلب! لولا أن ينتن حائطي من جيفتك لهيأت ما قد قتلك، وإنا لولا أن تنتن بلادنا من جيفتكم لكنا قد قتلناكم بالأمس، قال له المغيرة: هل تدري ما قال الثعلب لرب البستان؟ قال: ما قال له؟ قال: قال له: يا رب البستان! أن أموت في حائطك ذا بين الرياحين أحب إلي من أن أخرج إلى أرض قفر ليس فيها شيء، وإنه والله لو لم يكن دين –وقد كنا من شقاء العيش فيما ذكرت لك- ما عدنا في ذلك الشقاء أبدا حتى نشارككم فيما أنتم فيه أو نموت؛ فكيف بنا ومن قتل منا صار إلى رحمة الله عز وجل وجنته، ومن بقي منا ملك رقابكم؟! #151# قال جبير: فأقمنا عليهم يوما لا نقاتلهم ولا يقاتلنا القوم، قال: فقام المغيرة إلى النعمان بن مقرن، فقال: يا أيها الأمير! إن النهار قد متع ما ترى، والله لو وليت من أمر المسلمين الذي وليت منهم لألحقت الناس بعضهم ببعض حتى يحكم الله بين عباده بما أحب، فقال النعمان: ربما أشهدك الله مثلها، ثم لم يندمك ولم يخزك؛ ولكن شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا، كان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلوات، ألا أيها الناس! إني لست كلكم أسمع؛ فانظروا إلى رايتي هذه، فإذا حركتها فاستعدوا، من أراد أن يطعن برمحه فلينشر رمحه، ومن أراد أن يضرب بعصاه فلينشر عصاه، ومن أراد أن يطعن بخنجره فلينشر [خنجره]، ومن أراد أن يضرب بسيفه فلينشر سيفه، ألا يا أيها الناس! إني محركها الثانية فاستعدوا، ثم إني محركها الثالثة فشدوا على بركة الله عز وجل، فإن قتلت فالأمير أخي، فإن قتل أخي فالأمير حذيفة، فإن قتل حذيفة فالأمير المغيرة بن شعبة.
وحدثني زياد: أن أباه قال: قتلهم الله، فنظرنا إلى بغل موقر عسلا وسمنا قد كسدت القتلى عليه، فما أشبهه إلا كوما من كوم السمك يلقى بعضه على بعض، فعرفت أنه إنما يكون القتل في الأرض؛ ولكن هذا شيء صنعه الله، وظهر المسلمون، وقتل النعمان وأخوه، وصار الأمر إلى حذيفة. فهذا حديث زياد وبكر.
قال: وحدثنا أبو رجاء الحنفي قال: كتب حذيفة إلى عمر أنه أصيب من المهاجرين فلان وفلان وفيمن لا يعرف أكثر، قال: فلما قرأ الكتاب #152# رفع صوته، ثم بكى وبكى، فقال: بل الله يعرفهم، ثلاثا.

الصفحة 148