كتاب جامع الصحيحين لابن الحداد (اسم الجزء: 5)

4078 - (خ) - حدثنا أحمد بن خلف، قال: ثنا محمد بن عبد الله، قال: أنا أحمد بن محمد العنزي، قال: ثنا الدارمي، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا أبو عوانة، عن حصين.
ح: وحدثنا محمد بن أحمد بن علي، قال: ثنا أحمد بن موسى، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، قال: ثنا عيسى بن عبد الله الطيالسي، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا أبو عوانة، قال: ثنا حصين ابن عبد الرحمن:
عن عمرو بن ميمون زعم: أنه رأى عمر قبل أن يصاب بأيام بالمدينة، فوقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف، فقال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرا هي له مطيقة، قال حذيفة: لو حملت عليها لأضعفت، وقال عثمان: [لقد حملت أرضي] أمرا هي له مطيقة، وما فيها كثير فضل.
زاد أحمد بن موسى: قال: انظرا ألا تكونا حملتما عليها ما لا تطيق، #159# قالا: لا، قال عمر: لئن سلمني الله تعالى لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى أحد بعدي أبدا، قال: فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب، وإني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب.
قال: وكان إذا مر بين الصفين قام بينهما، فإذا رأى خللا قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهم خللا تقدم، فكبر، فقرأ سورة يوسف والنحل ونحو ذلك في الركعة حتى يجتمع الناس، قال: فما هو إلا أن كبر حتى سمعته يقول: قتلني الكلب –أو أكلني الكلب- حين طعنه وطار العلج بسكين ذي طرفين؛ لا يمر على أحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وأخذ عمر بيد عبد الرحمن بن عوف، فقدمه، فأما من يلي عمر فقد رأى الذي رأى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون ما الأمر؛ غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون: سبحان الله! سبحان الله! قال: وصلى عبد الرحمن بالناس صلاة خفيفة، قال: فلما انصرف قال: انظر يا ابن عباس: من قتلني؟ قال: فجال ساعة، ثم أتى، فقال: غلام المغيرة بن شعبة، فقال عمر: الصنع، قاتله الله! لقد كنت أمرت به معروفا، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد أحد يدعي الإسلام، قد كنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة –قال: وكان العباس أكثرهم #160# رقيقا- فقال ابن عباس: إن شئت فعلنا –قال كلمة-، قال: لا، بعدما تكلموا بلسانكم وصلوا قبلتكم وحجوا حجكم، قال: فاحتمل إلى بيته، فانطلقنا معه، فكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يخاف عليه، فجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شاب، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله؛ كان لك الصحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، فقال: يا ابن أخي! لوددت أن ذلك كفاف؛ لا علي ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا علي الغلام، فلما جاء قال: يا ابن أخي! ارفع ثوبك؛ فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك، يا عبد الله بن عمر! انظر ما علي من الدين، فحسبوه، فوجدوه ستة وثمانين ألف أو نحوا من ذلك، فقال: إن وفى له مالي فأد من مالي، وإلا من أموالهم، وإلا ففي بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش؛ ولا تعدهم إلى غيرهم فأد عني هذا المال، واذهب إلى أم المؤمنين، فقل: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام –ولا تقل: أمير المؤمنين؛ فإني لست اليوم للمؤمنين بأمير-، وقل لها: إنه يستأذنك أن يدفن مع صاحبيه، فقالت عائشة: لقد كنت أردته لنفسي، وإني أوثر به اليوم عمر على نفسي، فلما جاء ابن عمر قال: ارفعوني، فأسنده رجل إلى صدره، فقال لابن عمر: ما لديك؟ قال: قد أذنت لك يا أمير المؤمنين، قال: ما كان شيء أهم إلي من ذلك المضجع، إذا قبضت فاحملوني، ثم استأذنوا لي، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردت فردوني إلى مقابر #161# المسلمين، قال: فجاءت حفصة والنساء يسترنها، فلما رأيناها قمنا، فمكثت عنده ساعة، ثم استأذن الرجال، فولجت داخلة، فسمعنا بكاءها من داخل، قالوا: أوص يا أمير المؤمنين –أو قيل له: استخلف-، فقال: ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، ثم سمى عليا وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وقال: ليشهدهم عبد الله بن عمر؛ وليس له من الأمر شيء –قال أبو عوانة: كهيئة التعزية-، فإن أصابت سعدا وإلا فليستعن به الخليفة بعدي؛ فإني لم أنزعه عن ضعف ولا خيانة.
ثم قال: أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله، وأوصيه بالمهاجرين الأولين: أن يعرف لهم حقهم، وأن يحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم: أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا؛ فإنهم ردء الإسلام وجباة المال وغيظ العدو، وألا يؤخذ منهم فضلهم إلا عن رضى منهم، وأوصيه بالأعراب خيرا؛ فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام، وأن يؤخذ من حواشي أموالهم فيرد في فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله خيرا: أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا فوق طاقتهم.
فلما توفي عمر خرجنا به نمشي، فقال: عبد الله بن عمر يستأذن عمر بن الخطاب، فقالت: أدخلوه، فأدخل، فوضع في البيت مع صاحبيه.
#162#
وفي رواية: أتي بنبيذ، فشربه، فخرج، ثم أتي بلبن، فشربه، فخرج، فعرف أنه الموت، وقال جرير، عن حصين في روايته: فمن استخلفوه فهو الخليفة بعدي.
وقال في آخره: فسلم ابن عمر على عائشة، فقال: يستأذنك عمر، فأذنت له، فدفن حيث أكرمه الله.

الصفحة 158