كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 5)

ولا استكثاراً، وأنشأهم كما قدر أحوالاً وأطوارا، واستخلفهم في الأرض بعد أمة أمماً وبعد عصر أعصاراً، وكلفهم شرائعه وأحكامه ولم يتركهم هملاً، وأمرهم ونهاهم ليبلوهم أيهم أحسن عملاً " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " وبكل اعتبار فلا نعلم في نمط الطلبة تدريجاً كان أسمج من تدريجكم، ونبدأ من كذا فإنه كان كذا وأكثر أهل زمانه تحملاً وتقللاً بالنسبة إلى منصبه كان الشيخ أبو الحسن ابن الجياب، ولكنه حين علم رحمه الله تعالى من نشأتكم وحالتكم ما علم نبذ مصاهرتكم وصرف عليكم صداقكم، وكذلك فعلت بنت جزي زوج الرهيصي معكم، حسبما هو مشهور في بلدكم، وذكرتم أنكم ما زلتم من أهل الغنى حيث نقرتم بذكر العرض - وهو بفتح العين والراء، حطام الدنيا على ما حكى أبو عبيد، وقال أبو زيد: هو، بسكون الراء، المال الذي لا ذهب فيه ولا فضة - وأي مال خالص يعلم لكم أو لأبيكم بعد الخروج من الثقاف على ما كان قد تبقى عنده من مجبى قرية مترايل (1) ثم من العدد الذي برز قبلكم أيام كانت أشغال الطعام بيدكم على ما شهد به الجمهور من أصحابكم، وأما الفلاحة التي أشرتم إليها فلا حق لكم فيها إذ هي في الحقيقة لبيت مال المسلمين، مع ما بيدكم على ما تقرر في الفقهيات، والمعدوم شرعاً كالمعدوم حساً، ولو قبل من أهل المعرفة بكم بعض ما لديهم من سقطاتكم في القال والقيل، ولم يصرف إلى دفع معرتها عنكم وجه التأويل، لكانت مسألتكم ثانية لمسألة أبو الخير، بل أبي الشر، الحادثة أيام خلافة الحكم، المسطورة في نوازل أبي الإصبع ابن سهل، فاعلموا ذلك، ولا تهملوا إشارتي عليكم قديماً وحديثاً بلزوم الصلوات، وحضور الجماعات، وفعل الخيرات، والعمل على التخلص من التبعات {إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} (لقمان: 33) .
__________
(1) ق ص: منزايل.

الصفحة 129