كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 5)
" وقلم في كتابكم: " أين الخطط المتوارثة عن الآباء والأجداد وقد أذهب الله عنا ببركة الملة المحمدية عيبة الجاهلية في التفاخر بالأباء، ولكني أقول لكم على جهة المقابلة لكلامكم: إن كانت الإشارة إلى المجيب بهذا فمن المعلوم المتحقق عند أفاضل الناس أنه من حيث الأصالة أحد أماثل قطره، قال القاضي أبو عبد الله ابن عسكر (1) وقد ذكر في كتابه من سلفي فلان بن فلان، ما نصه: وبيته بيت قضاء وعلم وجلالة لم يزالوا يرثون ذلك كابراً عن كابر، استقضى جده المنصور ابن أبي عامر، وقال غيره وغيره، وبيدي من عهود الخلفاء وصكوك الأمراء المكتتبة بخطوط أيديهم من لدن فتح جزيرة الأندلس وإلى هذا العهد القريب ما تقوم به الحجة القاطعة للسان الحاسد والجاحد، والمنة لله وحده. وإن كانت الإشارة للغير من الأصحاب في الوقت حفظهم الله فكل واحد منهم إذا نظر إليه بعين الحق وجد أقرب منكم نسباً للخطط المعتبرة، وأولى بميراثها بالفرض والتعصيب أو مساوياً على فرض المسامحة لكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، حرام دمه وماله وعرضه ".
ونرجع إلى طريقة أخرى فنقول: من كان يا فلان من قومكم في عمود نسبكم نبيهاً مشهوراً، أو كاتباً قبلكم معروفاً، أو شاعراً مطبوعاً، أو رجلاً نبيها ُ مذكوراً ولو كان يا لوشي وكان، لكان من الواجب الرجوع إلى التناصف والتواصل والتواضع، وترك التحاسد والتباغض والتقاطع: " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأبدانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ". وكذلك العجب كل العجب، من تسميتكم الخربات التي شرعتم في بنائها بدار السلامة، وهيهات هيهات، المعروف من الدنيا أنها دار بلاء وجلاء وعناء وفناء، ولو لم يكن من الموعظة الواقعة بتلك الدار في الوقت إلا موت سعيدكم عند دخولها، لأغناكم عن العلم اليقين بمآلها.
وأظهرتم سروراً كثيراً بما قلتم إنكم نلتم، حيث أنتم، من الشهوات التي
__________
(1) هو محمد بن علي بن هارون الغساني (- 636) ، والإشارة إلى كتاب له عن تاريخ مالقة.