كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 5)

مرقى التنويه والتكريم، والرتبة التي لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم، وجعل أقلامه جياداً لإجالة أمره العلي، وخطابه السني، في ميدان الأقاليم، ووضع في يده أمانة القلم الأعلى، جارياً من الطريقة المثلى، على المنهج القويم، واختصه بمزية الشفوف على كتاب بابه والتقديم، لما كان ناهض الفكر في طلبة حضرته زمن البداية، ولم تزل تظهر عليه بأولي التمييز مخايل هذه العناية، فإن حضر في حلق العلم جلى في حلبة الحفاظ إلى الغاية، وإن نظم أو نثر أتى بالقصائد المصقولة، والمخاطبات المنقولة، فاشتهر في بلده وغير بلده، وصارت أزمة العناية طوع يده، بما أوجب له المزية في يوم وغده.
وحين رد الله عليه ملكه الذي جبر به جناح الإسلام، وزين وجوه الليالي والأيام، وأدال الضياء من الظلام، كان ممن وسمه الوفاء وشهره، وعجب الملك عود خلوصه وخبره، فحمد أثره، وشكر ظاهره ومضمره، واستصحب على ركابه الذي صحب اليمن سفره، وأخلصت الحقيقة نفره، وكفل الله ورده وصدره، ميمون النقيبة، حسن الضريبة، صادقاً في الأحوال المريبة، ناطقاً عن مقامه بالمخاطبات العجيبة، واصلاً إلى المعاني البعيدة العبارة القريبة، مبرزاً في الخدم الغريبة، حتى استقام العماد، ونطق بصدق الطاعة الحي والجماد، ودخلت في دين الله أفواج العباد والبلاد، لله الحمد على نعمه الثرة العهاد، وآلائه المتوالية الترداد، رعى له أيد الله هذه الوسائل وهو أحق من يرعاها، وشكر له الخدم المشكور مسعاها، فنص (1) عليه الرتبة الشماء التي خطبها بوفائه، وألبسه أثواب اعتناءه، وفسح له مجال آلائه، وقدمه، أعلى الله قدمه، كاتب السر، وأمين النهي والأمر، تقديم الاختيار بعد الاختبار، والاغتباط بخدمته الحسنة الآثار، وتيمن باستخدامه قبل الحلول بدار الملك والاستقرار، وغير ذلك من موجبات الإكبار.
__________
(1) ق ص: فقص.

الصفحة 135