كتاب نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس (اسم الجزء: 5)

المغرب، ولقي السلطان محاصراً لتلمسان، وقد شيد بالعباد مسجداً عظيماً وكان عمه محمد بن مرزوق خطيباً به على عادتهم في العباد، وتوفي، فولاه السلطان خطابة ذلك المسجد مكان عمه، وسمعه يخطب على المنبر، ويشيد بذكره ويثني عليه، فحلي بعينيه فقربه، وهو مع ذلك يلازم ابني الإمام، ويأخذ نفسه بلقاء الأفاضل والأكابر والأخذ عنهم، وحضر مع السلطان وقعة طريف، ثم استعمله في الرسالة إلى الأندلس، ثم إلى ملك قشتالة في تقرير الصلح، واستنقاذ ولده المأسور يوم طريف، ورجع بعد وقعة القيروان مع زعماء النصارى، فرجع إلى المغرب. ووفد على السلطان أبي عنان بفاس مع أمه حظية أبي الحسن، ثم رجع إلى تلمسان، وأقام بالعباد، وعلى تلمسان يومئذ أبو سعيد عثمان بن عبد الرحمن وأخوه أبو ثابت، والسلطان أبو الحسن بالجزائر، وقد حشد هناك، فأرسل أبو سعيد ابن مرزوق المذكور إليه سراً في الصلح، فلما اطلع أخوه أبو ثابت على الخبر أنكره على أخيه، فبعثوا من حبس ابن مرزوق، ثم أجازوه البحر إلى الأندلس، فنزل على أبي الحجاج سلطانها بغرناطة، فقربه واستعمله على الخطبة بجامع الحمراء، فلم يزل خطيبه إلى أن استدعاه أبو عنان سنة أربع وخمسين بعد مهلك أبيه واستيلائه على تلمسان وأعمالها، فقدم عليه، ورعى له وسائله ونظمه في أكابر أهل مجلسه، ثم بعثه لتونس على ملكها (1) سنة ثمان وخمسين ليخطب له ابنة السلطان أبي يحيى، فردت الخطبة، واختفت بتونس، ووشي إلى السلطان أبي عنان أنه كان مطلعاً على مكانها فسخطه لذلك وأمر بسجنه، فسجن مدة، ثم أطلقه قبل موته.
ولما استولى أبو سالم على السلطنة آثره، وجعل زمام الأمور بيده، فوطئ الناس عقبه، وغشي أشراف الدولة بابه، وصرفوا إليه الوجوه، فلما وثب عمر بن عبد الله بالسلطان آخر عام اثنين وستين حبس ابن مرزوق، ثم أطلقه
__________
(1) التعريف: عام ملكها.

الصفحة 413