كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 5)

" صفحة رقم 204 "
ابن عطية : وهذا هو الأفصح الأجزل في المعنى انتهى . ويظهر من بعض أسباب النزول أنه عائد على الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) كما قال ابن عطية . قال : قيل : إنّ هذه الآية نزلت في الكفار الذين كانوا إذا لقيهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) تطامنوا وثنوا صدورهم كالمتستر ، وردّوا إليه ظهورهم ، وغشوا وجوههم بثيابهم تباعداً منهم وكراهية للقائه ، وهم يظنون أنّ ذلك يخفى عليه أو عن الله تعالى فنزلت الآية انتهى . فعلى هذا يكون ليستخفوا متعلقاً بقوله يثنون ، وكذا قال الحوفي . وقيل : هي استعارة للغل ، والحقد الذي كانوا ينطون عليه كما تقول : فلان يطوي كشحه على عداوته ، ويثني صدره عليها ، فمعنى الآية : ألا أنهم يسرون العداوة ويتكتمون لها ، ليخفي في ظنهم عن الله عز وجل ، وهو تعالى حين تغشيهم بثيابهم وإبلاغهم في التستر يعلم ما يسرون انتهى . فعلى هذا يكون حين معمولاً لقوله : يعلم ، وكذا قاله الحوفي لا للمضمر الذي قدره الزمخشري وهو قوله : ويريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم . وقال أبو البقاء : ألا حين العامل في الظرف محذوف أي : ألا حين يستغشون ثيابهم يستخفون ، ويجوز أن يكون ظرفاً ليعلم . وقيل : كان بعضهم ينحني على بعض ليساره في الطعن على المسلمين ، وبلغ من جهلهم أنّ ذلك يخفى على الله تعالى . قال قتادة : أخفى ما يكون إذا حتى ظهره واستغشى ثوبه ، وأضمر في نفسه همته . وقال مجاهد : يطوونها على الكفر . وقال ابن عباس : يخفون ما في صدورهم من الشحناء . وقال قتادة : يخفون ليسمعوا كلام الله . وقال ابن زيد : يكتمونها إذا ناجى بعضاً في أمر الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) . وقيل : يثنونها حياءً من الله تعالى ، ومعنى يستغشون : يجعلونها أغشية . ومنه قول الخنساء : أرعى النجوم وما كلفت رعيتها
وتارة أتغشى فضل أطماري
وقيل : المراد بالثياب الليل ، واستعيرت له لما بينهما من العلاقة بالستر ، لأن الليل يستر كما تستر الثياب ومنه قولهم : الليل أخفى للويل ، وقرأ ابن عباس : على حين يستغشون . قال ابن عطية : ومن هذا الاستعمال قول النابغة : على حين عاتبت المشيب على الصبا
وقلت ألما أصح والشيب وازع
انتهى .
وقال ابن عباس : ما يسرون بقلوبهم ، وما يعلنون بأفواههم . وقيل : ما يسرون بالليل وما يعلنون بالنهار . وقال ابن الأنباري : معناه أنه يعلم سرائرهم كما يعلم مظهرانهم . وقال الزمخشري : يعني أنه لا تفاوت في علمه بين إسرارهم وإعلانهم ، فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الاستخفاء والله مطلع على ثنيهم صدورهم ، واستغشائهم بثيابهم ، ونفاقهم غير نافق عنده . وقال صاحب التحرير : الذي يقتضيه سياق الآية أنه أراد بما يسرون ما انطوت عليه صدورهم من الشرك والنفاق والغل والحسد والبغض للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) وأصحابه ، لأنّ ذلك كله من أعمال

الصفحة 204