كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 5)

" صفحة رقم 205 "
القلوب ، وأعمال القلوب خفيه جدًّا ، وأراد بما يعلنون ما يظهرونه من استدبارهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) وتغشيه ثيابهم ، وسدّ آذانهم وهذه كلها أعمال ظاهرة لا تخفى .
( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الاْرْضِ إِلاَّ عَلَى رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ ( : الدابة هنا عام في كل حيوان يحتاج إلى رزق ، وعلى الله ظاهر في الوجوب ، وإنما هو تفضل ، ولكنه لما ضمن تعالى أن يتفضل به عليهم أبرزه في حيز الوجوب . قال ابن عباس : مستقرها حيث تأوى إليه من الأرض ، ومستودعها الموضع الذي تموت فيه فتدفن . وعنه أيضاً : مستقرها في الرحم ، ومستودعها في الصلب . وقال الربيع بن أنس : مستقرها في أيام حياتها ، ومستودعها حين تموت وحين تبعث . وقيل : مستقرها في الجنة أو في النار ، ومستودعها في القبر ، ويدل عليه : ) حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً ( ) وَسَاءتْ مُسْتَقِرّاً ( وقيل : ما يستقر عليه عملها ، ومستودعها ما تصير إليه . وقيل : المستقر ما حصل موجوداً من الحيوان ، والمستودع ما سيوجد بعد المستقر . وقال الزمخشري : المستقر مكانه من الأرض ومسكنه ، والمستودع حيث كان موجوداً قبل الاستقرار من صلب أو رحم أو بيضة انتهى . ومستقر ومستودع يحتمل أن يكونا مصدرين ، ويحتمل أن يكونا اسمي مكان ، ويحتمل مستودع أن يكون اسم مفعول لتعدّي الفعل منه ، ولا يحتمله مستقر للزوم فعله كل أي : كل من الرزق والمستقر والمستودع في اللوح يعني : وذكرها مكتوب فيه مبين . وقيل : الكتاب هنا مجاز ، وهو إشارة إلى علم الله ، وحمله على الظاهر أولى .
( وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ( : لما ذكر تعالى ما يدل على كونه تعالى عالماً ، ذكر ما يدل على كونه قادراً ، وتقدّم تفسير الجملة الأولى في سورة يونس . والظاهر أنّ قوله : وكان عرشه على الماء ، تقديره قبل خلق السموات والأرض ، وفي هذا دليل على أنّ الماء والعرش كانا مخلوقين قبل . قال كعب : خلق الله ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء ، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ، ثم وضع العرش على الماء . وروي عن ابن عباس أنه وقد قيل له : على أي شيء كان الماء ؟ قال : كان على متن الريح ، والظاهر تعليق ليبلوكم بخلق . قال الزمخشري : أي خلقهن لحكمة بالغة ، وهي أنْ يجعلها مساكن لعباده ، وينعم عليهم فيها بفنون النعم ، ويكلهم فعل الطاعات واجتناب المعاصي ، فمن شكر وأطاع أثابه ، ومن كفر وعصى عاقبه . ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال : ليبلوكم ، يريد ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون . ( فإن قلت ) : كيف جاز تعليق فعل البلوى ؟ ( قلت ) : لما في الاختبار من معنى العلم ، لأنه طريق الله ، فهو ملابس له كما تقول : انظر أيهم أحسن وجهاً ، واستمع أيهم أحسن صوتاً ، لأنّ النظر والاستماع من طرق العلم انتهى . وفي قوله : ومن كفر وعصى عاقبه ، دسيسة الاعتزال . وأما قوله : واستمع أيهم أحسن صوتاً ، فلا أعلم أحداً ذكر أن استمع تعلق ، وإنما ذكروا من غير أفعال القلوب سل وانظر ، وفي جواز تعليق رأي البصرية خلاف . وقيل : ليبلوكم متعلق بفعل محذوف تقديره أعلم بذلك ليبلوكم ، ومقصد هذا التأوي أنّ هذه المخلوقات لم تكن بسبب البشر . وقيل : تقدير الفعل ، وخلقكم ليبلوكم . وقيل : في الكلام جمل محذوفة ، التقدير : وكان خلقه لهما لمنافع يعود عليكم نفعها في الدنيا دون الأخرى ، وفعل ذلك ليبلوكم . ومعنى أيكم أحسن عملاً : أهذا أحسن أم هذا . قال ابن بحر : روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) ( أيكم أحسن عقلاً ، وأورع عن محارم الله ، وأسرع في طاعة الله ) ولو صح هذا التفسير عن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) لم يعدل عنه . وقال الحسن : أزهد في الله . وقال مقاتل : أتقى لله . وقال الضحاك : أكثركم شكراً .
قال الزمخشري : ( فإن قلت ) : فكيف قيل : أيكم

الصفحة 205