كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 5)

" صفحة رقم 207 "
وقيل : المراد به إنسان معين ، فقال ابن عباس : هو الوليد بن المغيرة ، وفيه نزلت . وقيل : عبد الله بن أمية المخزومي ، وذكره الواحدي ، وعلى هذين القولين يكون استثناء منقطعاً ومعنى رحمة : نعمة من صحة ، وأمن وجدة ، ثم نزعناها أي سلبناها منه . ويؤوس كفور ، صفتا مبالغة والمعنى : إنه شديد اليأس كثيرة ، ييأس أنْ يعود إليه مثل تلك النعمة المسلوبة ، ويقطع رجاءه من فضل الله من غير صبر ولا تسليم لقضائه . كفور كثير الكفر ، إن لما سلف لله عليه من نعمة ذكر حالة الإنسان إذ بدىء بالنعمة ولم يسبقه الضر ، ثم ذكر حاله إذا جاءته النعمة بعد الضر . ومعنى ذهب السيئات أي : المصائب التي تسوءني . وقوله هذا يقتضي نظراً وجهلاً ، لأن ذلك بإنعام من الله ، وهو يعتقد أنّ ذلك اتفاق أو يسعد ، وهو اعتقاد فاسد . إنه لفرح أشر بطر ، وهذا الفرح مطلق ، فلذلك ذم المتصف به ، ولم يأت في القرآن للمدح إلا مقيداً بما فيه خير كقوله : ) فَرِحِينَ بِمَا ءاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ( وقرأ الجمهور : لفرح بكسر الراء ، وهي قياس اسم الفاعل من فعل اللازم . وقرأت فرقة : لفرح بضم الراء ، وهي كما تقول : ندس ، ونطس . وفخره هو تعاظمه على الناس بما أصابه من النعماء ، واستثنى تعالى الصابرين يعني على الضراء وعاملي الصالحات . ومنها الشكر على النعماء . أولئك لهم مغفرة لذنوبهم يقتضي زوال العقاب والخلاص منه ، وأجر كبير هو الجنة ، فيقتضي الفوز بالثواب . ووصف الأجر بقوله : كبير ، لما احتوى عليه من النعيم السرمدي ورفع التكاليف ، وإلا من العذاب ، ورضا الله عنهم ، والنظر إلى وجهه الكريم .
( فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحِى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلّ ( : قال الزمخشري : كانوا يقترحون عليه آيات تعنتاً لا استرشاد ، لأنهم لو كانوا مسترشدين لكانت آية واحدة مما جاء به كافية في رشادهم . ومن اقتراحاتهم : لولا أنزل عليه كنز ، أو جاء معه ملك ، وكانوا لا يعتدون بالقرآن ، ويتهاونون به وبغيره مما جاء به من البينات ، فكان يضيق صدر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه ، فحرك الله منه وهيجه لأداء الرسالة وطرح المبالاة بردهم واستهزائهم واقتراحهم بقوله : فلعلك تارك بعض ما يوحي إليك أي : لعلك تترك أن تلقيه إليهم ، وتبلغه إياهم مخافة ردهم وتهاونهم به ، وضائق به صدرك بأنْ تتلو عليهم أن يقولوا مخافة أن يقولوا : لولا أنزل عليه كنز ، هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ، ولم ينزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه . ثم قال : إنما أنت نذير أي : ليس عليك إلا أن تنذرهم بما أوحي إليك ، وتبلغهم ما أمرت بتبليغه ، ولا عليك ردّوا أو تهاونوا أو اقترحوا ، والله على كل شيء وكيل يحفظ ما يقولون ، وهو فاعل بهم ما يجب أن يفعل ، فتوكل عليه ، وكل أمرك إليه .
وقال ابن عطية : سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا : يا محمد لو تركت سب آلهتنا وتسفيه آبائنا لجالسناك واتبعناك ، وقالوا : إئت بقرآن غير هذا أو بدله ، ونحو هذا من الأقوال ، فخاطب الله تعالى نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ) على هذه الصورة من المخاطبة ، وقفه بها توقيفاً رادّاً على أقوالهم ، ومبطلاً لها . وليس المعنى أنه عليه السلام هم بشيء من ذلك ثم خرج عنه ، فإنه لم يرد قط ترك شيء مما أوحي إليه ، ولا ضاق صدره به ، وإنما كان يضيق صدره بأقوالهم

الصفحة 207