" صفحة رقم 208 "
وأفعالهم وبعدهم عن الإيمان . ولعلك ههنا بمعنى التوقيف والتقرير ، وما يوحي إليه هو القرآن والدعاء إلى الله كان في ذلك سب آلهتهم ، وتسفيه آبائهم أو غيره . ويحتمل أن يكون النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) قد عظم عليه ما يلقى من الشدة ، فمال إلى أن يكون من الله إذن في مساهلة الكفار بعض المساهلة ، ونحو هذا من الاعتقادات التي تليق به ( صلى الله عليه وسلم ) ) كما جاءت آيات الموادعة . وعبر بضائق دون ضيق للمناسبة في اللفظ مع تارك ، وإن كان ضيق أكثر استعمالاً ، لأنه وصف لازم ، وضائق وصف عارض . وقال الزمخشري : ( فإن قلت ) : لم عدل عن ضيق إلى ضائق ؟ ( قلت ) : ليدل على أن ضيق عار غير ثابت ، لأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) كان أفسح الناس صداً . ومثله قولك : سيد وجواد ، تريد السيادة والجود الثابتين المستقرين ، فإذا أردت الحدوث قلت : سائد وجائد انتهى . وليس هذا الحكم مختصاً بهذه الألفاظ ، بل كل ما يبنى من الثلاثي للثبوت والاستقرار على غير وزن فاعل رد إليه إذا أريد معنى الحدوث ، فنقول : حاسن من حسن ، وثاقل من ثقل ، وفارح من فرح ، وسامن من سمن ، وقال بعض اللصوص يصف السجن ومن سجن فيه : بمنزلة أما اللئيم فسامن بها
وكرام الناس باد شحوبها
والظاهر عود الضمير في به على بعض . وقيل : على ما ، وقيل : عل التبليغ ، وقيل : على التكذيب ، قيل ولعل هنا للاستفهام بمعنى هل ، والمعنى : هل أنت تارك ما فيه تسفيه أحلامهم وسب آلهتهم كما سألوك ؟ وقدروا كراهته أن يقولوا ، ولئلا يقولوا ، وبأن يقولوا ، ثلاثة أقوال . والكنز المال الكثير . وقالوا : أنزل ، ولم يقولوا أعطى ، لأن مرادهم التعجيز ، وأنهم التمسوا أن ينزل عليه من السماء كنز على خلاف العادة ، فإنّ الكنوز إنما تكون في الأرض . وطلبهم آية تضطر إلى الإيمان ، والله عز وجل لم يبعث الأنبياء بآيات اضطرار ، إنما بعثهم بآيات النظر والاستدلال ، ولم يجعل آية الاضطرار إلا للأمة التي أراد تعذيبها لكفرها بعد آية الاستدلال ، كالناقة لثمود ، وآنسه تعالى بقوله ؛ إنما أنت نذير ، أي : الذي فوض إليك هو النذارة لا تحصيل هدايتهم ، فإن ذلك إنما هو لله تعالى . وقال مقاتل : وقيل : كافل بالمصالح قادر عليها . وقال ابن عطية : المحصي لإيمان من شاء ، وكفر من شاء . قيل : وهذه الآية منسوخة ، وقيل : محكمة .
( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِلَّمْ ( : الظاهر أنّ أم منقطعة تتقدر ببل ، والهمزة أي : أيقولون افتراه . وقال ابن القشيري : أم استفهام توسط الكلام على معنى : أيكتفون بما أوحيت إليك من القرآن ، أم يقولون إنه ليس من عند الله ، فإن قالوا : إنه ليس من عند الله فليأتوا بمثله انتهى . فجعل أم متصلة ، والظاهر الانقطاع كما قلنا ، والضمير في افتراه عائد على قوله : ما يوحى إليك ، وهو القرآن .
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنها لا تتعلق أطماعهم بأن يترك بعض ما يوحى إليه إلا لدعواهم ، أنه ليس من عند الله ، وأنه هو الذي افتراه ، وإنما تحداهم أولاً بعشر سور مفتريات قبل تحديهم بسورة ، إذ كانت هذه السورة مكية ، والبقرة مدنية ، وسورة يونس أيضاً مكية ، ومقتضى التحدي بعشر أن يكون قبل طلب المعارضة بسورة ، فلما نسبوه إلى الافتراء طلب منهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات إرخاء لعنانهم ، وكأنه يقول : هبوا إني اختلقته ولم يوح إليّ فأتوا أنتم بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم ، فأنتم عرب فصحاء مثلي لا تعجزون عن مثل ما أقدر عليه من الكلام ، وإنما عين بقوله : مثله ، في حسن النظم والبيان وإن كان مفتري وشأن من يريد تعجيز شخص أن يطالبه أولاً بأنْ يفعل أمثالاً مما فعل هو ، ثم إذا تبين عجزه قال له : افعل مثلاً واحداً ومثل يوصف به المفرد والمثنى والمجموع كما قال تعالى : ) أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا ( وتجوز المطابقة في التثنية والجمع كقوله : ) ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَالَكُم ( ) وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤ