" صفحة رقم 212 "
به الحجة على الفريقين أولى . وهذا يجري مع قول الجن : ) إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى ( ومع قول النجاشي : إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة . وانتصب إماماً على الحال ، والذي يظهر في تفسير هذه الآية أنه تعالى لما ذكر الكفار وأنهم ليس لهم إلا النار ، أعقب بضدهم وهم المؤمنون ، وهم الذين على بينة من ربهم ، والشاهد القرآن ، ومنه عائد على ربه . ويدل على أنّ الشاهد القرآن ذكر قوله : ومن قبله ، أي : ومن قبل القرآن كتاب موسى ، فمعناه : أنه تظافر على هدايته شيئان : كونه على أمر واضح من برهان العقل ، وكونه يوافق ذلك البرهان هذين الكتابين الإلهيين القرآن والتوراة ، فاجتمع له العقل والنقل . والإشارة بأولئك إلى من كان على بينة راعي معنى مع ، فجمع والضمير في به يعود إلى التوراة ، أو إلى القرآن ، أو إلى الرسول ، ثلاثة أقوال . والأحزاب جميع الملل قاله : ابن جبير ، أو اليهود ، والنصارى ، قاله قتادة . أو قريش قاله : السدي ، أو بنو أمية وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي ، وآل أبي طلحة بن عبيد الله ، قاله مقاتل . وقال الزمخشري : يعني أهل مكة ومن ضامّهم من المتحزبين على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) انتهى . فالنار موعده أي : مكان وعده الذي يصيرون إليه . وقال حسان : أوردتمونا حياض الموت ضاحية
فالنار موعدها والموت لاقيها
والضمير في منه عائد على القرآن ، وقيل : على الخبر ، بأن الكفار موعدهم النار . وقرأ الجمهور : في مرية بكسر الميم ، وهي لغة الحجاز . وقرأ السلمي ، وأبو رجاء ، وأبو الخطاب السدوسي ، والحسن : بضمها وهي لغة أسد وتميم والناس أهل مكة قاله : ابن عباس ، أو جميع الكفار من شاك وجاهل ومعاند قاله : صاحب العيتان .
( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبّهِمْ وَيَقُولُ الاْشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبّهِمْ أَلاَ ( : لما سبق قولهم : أم يقولون افتراه ، ذكر أنه لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً ، وهم المفترون الذين نسبوا إلى الله الولد ، واتخذوا معه آلهة ، وحرموا وحللوا من غير شرع الله ، وعرضهم على الله بمعنى التشهير لخزيهم والإشارة بكذبهم ، وإلا فالطائع والعاصي يعرضون على الله ) وَعُرِضُواْ عَلَى رَبّكَ صَفَّا ( والاشهاد : جمع شاهد ، كصاحب وأصحاب ، أو جمع شهيد كشريف وأشراف ، والأشهاد الملائكة الذين يحفظون عليهم أعمالهم في الدنيا ، أو الأنبياء ، أو هما المؤمنون ، أو ما يشهد عليهم من أعضائهم أقوال . وفي قوله : هؤلاء إشارة إلى تحقيرهم وإصغارهم بسوء مرتكبهم . وفي قوله : على ربهم أي : على من يحسن إليهم ويملك نواصيهم ، وكانوا جديرين أن لا يكذبوا عليه ، وهذا كما تقول إذا رأيت مجرماً : هذا الذي فعل كذا وكذا . وتقدم تفسير الجملة بعد هذا . وهم تأكيد لقوله : وهم ، وقوله : معجزين ، أي كانوا لا يعجزون الله في الدنيا أن يعاقبهم لو أراد عقابهم ، وما كان لهم من ينصرهم ويمنعهم من العقاب ، ولكنه أراد انظارهم وتأخير عقابهم إلى هذا اليوم . قال الزمخشري : وهو كلام الاشهاد يعني : أن كلامهم من قولهم هؤلاء إلى آخر هذه الجملة التي هي وما كان لهم من دون الله من أولياء . وقد يظهر أن قوله تعالى : ألا لعنة الله على الظالمين من كلام الله تعالى لا على سبيل الحكاية ، ويدل لقول الزمخشري قوله : ) فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( الآية فكما أنه من كلام المخلوقين في تلك الآية ، فكذلك هنا يضاعف لهم العذاب يشدد ويكثر ، وهذا استئناف إخبار عن حالهم في الآخرة ، لأنهم جمعوا إلى الكفر بالبعث الكذب على الله ، وصدّ عباده عن سبيل الله ، وبغي العوج لها