" صفحة رقم 461 "
الزهري دف بضم الفاء من غير همز ، والفاء محركة بحركة الهمزة المحذوفة . ومنهم من يعوض من هذه الهمزة فيشدد الفاء ، وهو أحد وجهي حمزة بن حبيب وقفاً . وقال مجاهد : ومنافع الركوب ، والحمل ، والألبان ، والسمن ، والنضج عليها ، وغير ذلك . وأفرد منفعة الأكل بالذكر ، كما أفرد منفعة الدفء ، لأنهما من أعظم المنافع .
وقال الزمخشري : ( فإن قلت ) : تقدم الظرف في قوله : ومنها تأكلون مؤذن ، بالاختصاص وقد يؤكل من غيرها ( قلت ) : الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معائشهم ، وأما الأكل من غيرها من الدجاج والبط وصيد البر والبحر فكغير المعتد به ، وكالجاري مجرى التفكه . وما قاله منه على أن تقديم الظرف أو المفعول دال على الاختصاص . وقد رددنا عليه ذلك في قوله : ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ ( والظاهر أنّ مِن للتبعيض كقولك : إذا أكلت من الرغيف . وقال الزمخشري : ويحتمل أنّ طعمتكم منها لأنكم تحرثون بالبقر ، والحب والثمار التي تأكلونها منها ، وتكتسبون بإكراء الإبل ، وتبيعون نتاجها وألبانها وجلودها انتهى . فعلى هذا يكون التبعيض مجازاً ، أو تكون من للسبب . الجمال مصدر جمل بضم الميم ، والرجل جميل ، والمرأة جميلة وجملاء عن الكسائي وأنشد : فهي جملاء كبدر طالع
بزت الخلق جميعاً بالجمال
ويطلق الجمال ويراد به التجمل ، كأنه مصدر على إسقاط الزوائد . والجمال يكون في الصورة بحسن التركيب يدركه البصر ، ويلقيه في ألقاب ، فتتعلق به النفس من غير معرفة . وفي الأخلاق باشتمالها على الصفات المحمودة : كالعلم ، والعفة ، والحلم ، وفي الأفعال : بوجودها ملائمة لمصالح الخلق ، وجلب المنفعة إليهم ، وصرف الشر عنهم . والجمال الذي لنا في الأنعام هو خارج عن هذه الأنواع الثلاثة ، والمعنى : أنه لنا فيها جمال وعظمة عند الناس باقتنائها ودلالتها على سعادة الإنسان في الدنيا ، وكونه فيها من أهل السعة ، فمنّ الله تعال بالتجمل بها ، كما منّ بالانتفاع الضروري ، لأن التجمل بها من أغراض أصحاب المواشي ومفاخر أهلها ، والعرب تفتخر بذلك . ألا ترى إلى قول الشاعر : لعمري لقوم قد نرى أمس فيهم
مرابط للإمهاز والعكر الدثر أحب إلينا من أناس بقنة يروح على آثار شائهم النمر والعكرة من الإبل ما بين الستين إلى السبعين ، والجمع عكر . والدثر الكثير ، ويقال : أراح الماشية ردها بالعشيّ من المرعى ، وسرحها يسرحها سرحاً وسروحاً أخرجها غدوة إلى المرعى ، وسرحت هي يكون متعدياً ولازماً ، وأكثر ما يكون ذلك أيام الربيع إذا سقط الغيث وكبر الكلأ وخرجوا للنجعة . وقدم الإراحة على السرح لأنّ الجمال فيها أظهر إذا أقبلت ملأى البطون ، حافلة الضروع ، ثم أوت إلى الحظائر ، بخلاف وقت سرحها ، وإن كانت في الوقتين تزين الأفنية ، وتجاوب فيها الرغاء والثغاء ، فيأتنس أهلها ، وتفرح أربابها وتجلهم في أعين الناظرين إليها ، وتكسبهم الجاه والحرمة لقوله تعالى : ) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا ( وقوله تعالى : ) زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ( ثم قال تعالى : ) وَالانْعَامِ وَالْحَرْثِ ( وقرأ عكرمة والضحاك والجحدري : حيناً فيهما بالتنوين ، وفك الإضافة . وجعلوا الجملتين صفتين حذف منهما العائد كقوله : ) وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى ( ويكون العامل في حيناً على هذا ، إمّا المبتدأ لأنه في معنى التجمل ، وإما خبره بما فيه من معنى الاستقرار والأثقال . الأمتعة : واحدها