" صفحة رقم 78 "
أسيء بنا أو أحسني لا ملومة
لدينا ولا مقلية إن تقلت
ومر الكلام في هذا في قوله : ) قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ( وإلى هذا المعنى ذهب الطبري وغيره ، وهو اختيار الزمخشري قال : وقد ذكرنا أن هذا الأمر في معنى الخبر كأنه قيل : لن يغفر الله لهم استغفرت أم لم تستغفر ، وإن فيه معنى الشرط ، وذكرنا النكتة في المجيء به على لفظ الأمر انتهى . يعني في تفسير قوله تعالى : ) قُلْ أَنفِقُواْ ( وكان قال هناك . ( فإن قلت ) : كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال : لن يتقبل ؟ ( قلت ) : هو أمر في معنى الخبر كقوله : ) قُلْ مَن كَانَ فِى الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً ( ومعناه : لن يتقبل منكم أنفقتم طوعاً أو كرهاً ، ونحوه قوله : أستغفر لهم أو لا تستغفر لهم ، وقوله :
أسيء بنا أو أحسنيي لا ملومة
أي : لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أو لا تستغفر لهم ، ولا نلومك أحسنت إلينا أو أسأت . فإن قيل : متى يجوز نحو هذا ؟ قلت : إذا دل الكلام عليه كما كان في قولك : غفر الله لزيد ورحمة . ( فإن قلت ) : لم فعل ذلك ؟ ( قلت ) : لنكتة وهي أنّ كثيراً كأنه يقول لعزة : امتحني لطف محلك عندي ، وقوة محبتي لك ، وعامليني بالإساءة والإحْسان ، وانظري هل تتفاوت خالي معك مسيئة كنت أو محسنة . وفي معناه قول القائل : أحول الذي إن قمت بالسيف عامدا
لتضربه لم يستغشك في الودّ
وكذلك المعنى أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم ، واستغفر لهم أو لا تستغفر لهم . وانظر هل ترى خلافاً بين حالي الاستغفار وتركه ؟ انتهى . وقيل : هو أمر مبالغة في الإياس ومعناه : إنك لو طلبت الاستغفار لهم طلب المأمور ، أو تركته ترك المنهى عنه ، لم يغفر لهم . وقيل : معناه الاستزاء أي : استغفارك لهم وترك الاستغفار سواء . ( فإن قلت ) : كيف جاز أن يستغفر لهم وقد أخبر أنهم كفروا ؟ فالجواب قالوا من وجوه : أحدها : أن ذلك كان على سبيل التأليف ليخلص إيمان كثير منهم . وقد روي أنه لما استغفر لابن سلول وكساه ثوبه ، وصلى عليه ، أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب الرسول ، وكان رأس المنافقين وسيدهم . وقيل : فعل ذلك تطييباً لقلب ولده ومن أسلم منهم ، وهذا قريب مما قبله . وقيل : كان المؤمنون يسألون الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) أن يستغفر لقومهم المنافقين في حياتهم رجاء أن يخلصوا في إيمانهم ، وبعد مماتهم رجاء الغفران ، فنهاه الله عن ذلك وأيأسهم منه ، وقد سأل عبد الله بن عبد الله الرسول أن يستغفر لأبيه رجاء أن يخفف عنه . وقيل : إنما استغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير أن يحقق خروجهم عن الإسلام ، ورد هذا القول بأنه تعالى أخبر بأنهم كفروا فلا يصح أن يقال إنه غير عالم بكفرهم . وقال أبو عبد الله الرازي : الأقرب في تعلق هذه الآية بما قبلها ما ذكره ابن عباس : أنّ الذين كانوا يلمزون هم الذين طلبوا الاستغفار ، ولا يجوز أن يكون الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) اشتغل بالاستغفار فنهاه عنه لوجوه : الأول : أن المنافق كافر ، وقد ظهر في شرعه عليه السلام أن الاستغفار للكافر لا يجوز ، فلهذا السبب أمره الله تعالى بالاقتداء بإبراهيم عليهما السلام إلا في قوله : ) لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ( وإذا كان هذا مشهوراً في الشرع ، فكيف يجوز الإقدام عليه ؟ الثاني : أنّ استغفار