كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 5)

" صفحة رقم 98 "
ِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( وقال الله تعالى لنبيه : ) لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ( انتهى . فلو عاش قتادة إلى هذا العصر الذي هو قرن ثمانمائة وسمع ما أحدث هؤلاء المنسوبون إلى الصوف من الدعاوى والكلام المبهرج الذي لا يرجع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، والتجري على الإخبار الكاذب عن المغيبات ، لقضى من ذلك العجب . وما كنت أظن أنّ مثل ما حكى قتادة يقع في ذلك الزمان لقربه من الصحابة وكثرة الخير ، لكن شياطين الإنس يبعد أن يخلو منهم زمان . نحن نعلمهم . قال الزمخشري : نطلع على سرهم ، لأنهم يبطنون الكفر في سويداء قلوبهم إبطاناً ، ويبرزون لك ظاهراٌ كظاهر المخلصين من المؤمنين ، لا تشك معه في إيمانهم ، وذلك أنهم مردوا على النفاق وضروبه ، ولهم فيه اليد الطولى انتهى . وفي قوله : نحن نعلمهم تهديد وترتب عليه بقوله : سنعذبهم مرتين . والظاهر إرادة التثنية ويحتمل أن يكون لا يراد بها شفع الواحد ، بل يكون المعنى على التكثير كقوله : ) ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ( أي كرة بعد كرة . كذلك يكون معنى هذا سنعذبهم مرة بعد مرة . وإذا كانت التثنية مرادة فأكثر الناس على أنّ العذاب الثاني هو عذاب القبر ، وأما المرة الأولى فقال ابن عباس في الأشهر عنه : هو فضيحتهم ووصمهم بالنفاق . وروي في هذا التأويل أنه عليه السلام خطب يوم جمعة بدر فندر بالمنافقين وصرح وقال : ( اخرج يا فلان من المسجد فإنك منافق ، واخرج أنت يا فلان ، واخرج أنت يا فلان ) حتى أخرج جماعة منهم ، فرآهم عمر يخرجون من المسجد وهو مقبل إلى الجمعة فظن أن الناس انتشروا ، وأن الجمعة فاتته ، فاختفى منهم حياء ، ثم وصل المسجد فرأى أنّ الصلاة لم تقض وفهم الأمر . قال ابن عطية : وفعله ( صلى الله عليه وسلم ) ) على جهة التأديب اجتهاد منه فيهم ، ولم يسلخهم ذلك من الإسلام ، وإنما هو كما يخرج العصاة والمتهمون ، ولا عذاب أعظم من هذا . وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) كثيراً ما يتكلم فيهم على الإجمال دون تعيين ، فهذا أيضاً من العذاب انتهى . ويبعد ما قال ابن عطية لأنه نص على نفاق من أخرج بعينه ، فليس من باب إخراج العصاة . بل هؤلاء كفار عنده وإنْ أظهروا الإسلام . وقال قتادة وغيره : العذاب الأول علل وأدواء أخبر الله نبيه أنه سيصيبهم بها ، وروي أنه أسرّ إلى حذيفة باثني عشر منهم وقال : ( سنة منهم تكفيهم الدبيلة سراج من نار جهنم تأخذ في كتف أحدهم حتى تفضي إلى صدره ، وستة يموتون موتاً ) وقال مجاهد : هو عذابهم بالقتل والجوع . قيل : وهذا بعيد ، لأن منهم من لم يصبه هذا . وقال ابن عباس أيضاً : هو هو أنهم بإقامة حدود الشرع عليهم مع كراهيتهم فيه . وقال ابن إسحاق : هو همهم بظهور الإسلام وعلو كلمته . وقيل : ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم . وقال الحسن : الأول ما يؤخذ من أموالهم قهراً ، والثاني الجهاد الذي يؤمرون به قسراً لأنهم يرون ذلك عذاباً . وقال ابن زيد : مرتين هما عذاب الدنيا بالأموال والأولاد كل صنف عذاب فهو مرتان ، وقرأ ) فَلاَ تُعْجِبْكَ ). وقيل : إحراق مسجد الضرار ، والآخر إحراقهم بنار جهنم . ولا خلاف أن قوله : إن عذاب عظيم هو عذاب الآخرة وفي مصحف أنس سيعذبهم بالياء ، وسكن عياش عن أبي عمر والياء .
( وَءاخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَءاخَرَ سَيّئاً عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( : نزلت في عشرة رهط تخلفوا عن غزوة تبوك فلما دنا الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) من المدينة أوثق سبعة منهم . وقيل : كانوا ثمانية منهم : كردم ، ومرداس ، وأبو قيس ، وأبو لبابة . وقيل : سبعة . وقيل : ستة أوثق ثلاثة منهم أنفسهم بسواري المسجد ، فيهم أبو لبابة . وقيل : كانوا خمسة . وقيل : ثلاثة أبو لبابة بن عبد المنذر ، وأوس بن ثعلبة ، ووديعة بن خذام الأنصاري . وقيل : نزلت في أبي لبابة وحده . ويبعد ذلك من لفظ وآخرون ، لأنه جمع ، فدخل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) المسجد حين قدم فصلى فيه ركعتين ، وكانت عادته

الصفحة 98