كتاب فتح الرحمن في تفسير القرآن (اسم الجزء: 5)

{مِنَ الْغَابِرِينَ} الباقين في العذاب، وغَبَر بمعنى: بقي، وقد يجيء أحيانًا في بعض كلام العرب يوهم أنه بمعنى مضى.
...
{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58)}.

[58] {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا} وهي حجارة السجيل، أهلكت جميعهم.
قال ابن عطية: وهذه الآية أصلًا لمن جعل من الفقهاء الرجم في اللوطية، وبها تأنس؛ لأن الله عذبهم على كفرهم به، وأرسل عليهم الحجارة لمعصيتهم، ولم يقس هذا القول على الزنا، فيعتبر الإحصان (¬1).
وتقدم الكلام على ذلك مستوفىً في سورة النساء، وملخصه: أن مذهب مالك -رحمه الله- رجم الفاعل والمفعول به، أحصنا أو لم يحصنا، ومذهب الشافعي وأحمد حكمه كالزنا، فيه الرجم مع الإحصان، والجلد مع عدمه، ومذهب أبي حنيفة: يعزر، ولا حد عليه؛ خلافًا لصاحبيه، وعن أحمد رواية أن من تلوط بغلام، قُتل، بكرًا كان أو ثيبًا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من وجدتموه يعملُ عملَ قومِ لوط، فاقتلوا الفاعلَ والمفعولَ به" (¬2)، ولكن
¬__________
(¬1) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (4/ 265).
(¬2) رواه أبو داود (4462)، كتاب: الحدود، باب: فيمن عمل عمل قوم لوط، والترمذي (1456)، كتاب: الحدود، باب: ما جاء في حد اللوطي، وابن ماجه (2561)، كتاب: الحدود، باب: من عمل عمل قوم لوط، والإمام أحمد في "المسند" (1/ 300)، وغيرهم عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.

الصفحة 150