كتاب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (اسم الجزء: 5)

فهو أكثر قوة، ولم يرد بذلك عظم الجسم بلا قوة؛ لأن ذلك لا حظ له في القتال، بل هو وبال على صاحبه إذا لم يكن ذا قوة فاضلة" (¬1).
• ثانيًا: فعل وإجماع الصحابة على أنه لابد من ولوج إحدى الطرق المقررة لانعقاد الإمامة، والتي ليس منها التوريث بحال. وقد ذكرنا آنفًا من نقل الإجماع على ذلك، ومستند الإجماع (¬2).
وقد كان الخلفاء الراشدون -رضي اللَّه عنهم- بعيدين كل البعد عن مواطن الشبهة، فلم يعهد أبو بكر -رضي اللَّه عنه- لابنه، ولم يعهد عمر لابنه عبد اللَّه، وكان من فضلاء الصحابة، وقد اقترح ذلك على عمر بعض الصحابة -رضوان اللَّه تعالى عليهم- فقال: يا أمير المؤمنين أين أنت من عبد اللَّه بن عمر؟ فقال: "قاتلك اللَّه، واللَّه ما أردت بها اللَّه، أستخلف رجلًا لم يحسن يطلق امرأته؟ ! " (¬3)، مع أنه جعله من أهل الشورى، إلا أنه نصَّ على أنه لا يتولى الخلافة، زيادة في الورع والبعد عن الشبهة.
وكذلك عثمان -رضي اللَّه عنه- لم يعهد إلى أحد من أقاربه، مع أن كثيرًا من المؤرخين يتهمونه بحبِّه لهم رضوان اللَّه تعالى عليه.
وكذلك علي -رضي اللَّه عنه- لم يعهد إلى الحسن، وقد طُلِبَ منه ذلك عند وفاته، فقال له الناس: يا أمير المؤمنين، إن فقدناك -ولا نفقدك- فنبايع الحسن؟ قال: "ما آمركم، ولا أنهاكم، أنتم أبصر" (¬4). وفي رواية: قالوا له: استخلف علينا، قال: "ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" (¬5). وذلك مبالغة منه
¬__________
(¬1) أحكام القرآن للجصاص (2/ 167).
(¬2) يُراجع (ص 158 وما بعدها).
(¬3) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (3/ 343)، وابن شبة في أخبار المدينة (2/ 81) رقم (1587، 1589)، والخلال في السنة (1/ 179) رقم (344) بإسناد صحيح.
(¬4) أخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه، دار الكتب العلمية، بيروت (3/ 157)، والطبراني في المعجم الكبير (1/ 97) رقم (168).
(¬5) أخرجه أحمد في المسند (1/ 130) رقم (1078). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/ 137): "رواه أحمد وأبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح، غير عبد اللَّه بن سبيع، وهو ثقة، ورواه البزار بإسناد حسن".

الصفحة 201