كتاب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (اسم الجزء: 5)
حديث: "لَا يَزَالُ الأمْرُ في قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ"- ليس من جهة تخصيص قريش بالذكر، فإنه يكون مفهوم اللقب لا حجة فيه عند المحققين، وإنما الحجة وقوع المبتدأ معرفًا بلام الجنسية؛ لأن المبتدأ بالحقيقة هاهنا هو الأمر الواقع صفة لهذا، وهذا لا يوصف إلا بالجنس، فمقتضاه حصر جنس الأمر في قريش، فيصير كأنه قال: لا أمر إلا في قريش، وهو كقوله: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ" (¬1)، والحديث وإن كان بلفظ الخبر فهو بمعنى الأمر، كأنه قال: ائتمروا بقريش خاصة، وقوله: "مَا بَقِىَ مِنْهُمُ اثْنَانِ" ليس المراد به حقيقة العدد، وإنما المراد به انتفاء أن يكون الأمر في غير قريش، وهذا الحكم مستمر إلى يوم القيامة ما بقي من الناس اثنان" (¬2).
• من خالف الإجماع: وهم فئتان (¬3):
• أولًا: الراوندية (¬4)؛ إذ حصروا الإمامة في العباس بن عبد المطلب وولده حتى انتهوا بها إلى أبي جعفر المنصور، واستدلوا بأن العباس كان عصب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ووارثه، فإذا كان ذلك كذلك فقد ورث مكانه.
ونوقش: بأن هذا ليس بشيء، لأن ميراث العباس -رضي اللَّه عنه- لو وجب له لكان
¬__________
(¬1) أخرجه البخاري، كتاب الشفعة، باب: الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة (2257).
(¬2) إرشاد الساري شرح صحيح البخاري، للقسطلاني (10/ 209).
(¬3) وترَّهات أخرى، وكما قال ابن حزم: "فما وجدنا لهم شبهة يُستحق أن يُشتغل بها، إلا دعاوى كاذبة لا وجه لها". ينظر: أصول الدين لأبي منصور البغدادي (ص 276)، والفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 75 وما بعدها).
(¬4) أنصار أبي هريرة الراوندي من فرقة الكيسانية، ويقال لهم، الهريرية، زعموا أن الإمام بعد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- العباس رضى اللَّه عنه، ثم بنوه؛ لأن العم أولى من ابن العم، ونبعت فرقة منهم في أيام أبي جعفر المنصور بمدينة الهاشمية، وجعلوا يطوفون بقصره، ويقولون: إن أبا جعفر خالقهم ورازقهم، وأن روح آدم صار في عثمان ابن نهيك، وأن جبريل هو الهيثم بن معاوية، فأخذ المنصور جماعة منهم وحبسهم فنقم الباقون واستعرضوا الناس يمرجونهم بالسيف، فخرج إليهم المنصور فاصطلمهم. يُنظر: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (1/ 96)، والبدء والتاريخ، المطهر بن طاهر المقدسي، (5/ 132).