كتاب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (اسم الجزء: 5)

تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} إلى قوله -تعالى-: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} (¬1).
• وجه الدلالة: قال القرطبي: "كانوا عشارين متقبلين، ومثلهم اليوم هؤلاء المكاسون الذين يأخذون من الناس ما لا يلزمهم شرعًا من الوظائف المالية بالقهر والجبر، فضمنوا ما لا يجوز ضمان أصله؛ من الزكاة والمواريث والملاهي، والمترتبون في الطرق، إلى غير ذلك مما قد كثير في الوجود، وعُمِل به في سائر البلاد، وهو من أعظم الذنوب وأكبرها وأفحشها، فإنه غصب، وظلم، وعسف على الناس، وإذاعة للمنكر، وعمل به، ودوام عليه، وإقرار له" (¬2).
• ثانيًا: السنة: الدليل الأول: حديث بريدة بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال -في شأن الغامدية التي زنت فأمر برجمها-: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بيده لقد تَابَتْ تَوْبَةً لو تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ له" (¬3).
• وجه الدلالة: قال النووي: "فيه أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب الموبقات؛ وذلك لكثرة مطالبات الناس له، وظلاماتهم عنده، وتكرر ذلك منه، وانتهاكه للناس، وأخذ أموالهم بغير حقها، وصرفها في غير وجهها" (¬4).
الدليل الثاني: حديث عقبة بن عامر -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ" (¬5).
• وجه الدلالة: قال الذهبي: "وما ذاك إلا لأنه يتقلد مظالم العباد، ومن أين للمكاس يوم القيامة أن يؤدي للناس ما أخذ منهم؟ ! إنما يأخذون من حسناته،
¬__________
(¬1) سورة الأعراف، الآيتان: (85، 86).
(¬2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (7/ 249).
(¬3) أخرجه مسلم، كتاب الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنى (3/ 1321) رقم (1695).
(¬4) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (11/ 203).
(¬5) أخرجه أحمد (4/ 143) رقم (17333)، وأبو داود، باب: السعاية على الصدقة (3/ 132) رقم (2937).

الصفحة 343