كتاب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (اسم الجزء: 5)
• ثانيًا: الآثار: وقد وردت آثار عديدة تفيد تفاوت التعزير شدة وتخفيفًا بحسب ظروف الواقعة وحال مرتكبها، ومنها: أن أمَةً أعجمية زَنَتْ، وهي لا تفقه، فاستشار عمر عثمان رضي اللَّه عنهما، فَقَالَ: أُرَاهَا تَسْتَهِلُّ بِهِ كَأَنَّهَا لَا تَعْلَمُهُ، وَلَيْسَ الْحَدُّ إِلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ. فَقَالَ عمر -رضي اللَّه عنه-: "صَدَقْتَ، والذي نفسي بِيَدِهِ مَا الْحَدُّ إِلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ"، فَجَلَدَهَا عُمَرُ -رضي اللَّه عنه- مِائَةً، وَغَرَّبَهَا عَامًا (¬1).
• وجه الدلالة: تعزير عمر -رضي اللَّه عنه- بمائة؛ لأنه كان عليها علم الأشياء المحرمة، وتغريبها زيادة في العقوبة، كما غرب في الخمر (¬2). وقد ذكر ابن فرحون طرفًا منها، فقال: "ومنها: أن أبا بكر -رضي اللَّه عنه- استشار الصحابة في رجل يُنكح كما تنكح المرأة، فأشاروا بحرقه في النار، فكتب أبو بكر -رضي اللَّه عنه- بذلك إلى خالد بن الوليد -رضي اللَّه عنه-، ثم حرقهم عبد اللَّه بن الزبير في خلافته. ومنها: أن أبا بكر -رضي اللَّه عنه- حرَّق جماعة من أهل الردة. ومنها: تحريق عمر -رضي اللَّه عنه- المكان الذي يُباع فيه الخمر. ومنها: تحريق عمر -رضي اللَّه عنه- قصر سعد بن أبي وقاص، لما احتجب فيه عن الرعية، وصار يحكم في داره. ومنها: مصادرة عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- عماله بأخذ شطر أموالهم، فقسمها بينهم وبين المسلمين. ومنها: أنه -رضي اللَّه عنه- ضرب الذي زور على نقش خاتمه، وأخذ شيئًا من بيت المال مائة، ثم ضرب في اليوم الثاني مائة، ثم ضربه في اليوم الثالث مائة. ومنها: أن عمر -رضي اللَّه عنه- لما وجد مع السائل من الطعام فوق كفايته وهو يسأل أخذ ما معه، وأطعمه إبل الصدقة. ومنها: أنه -رضي اللَّه عنه- أراق اللبن المغشوش (¬3).Rصحة الإجماع؛ لعدم المخالف.
¬__________
(¬1) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الحدود، باب: لا حد إلا على من علمه (7/ 404) رقم (13645)، والبيهقي في الكبرى، كتاب الحدود، باب: ما جاء في درء الحدود بالشبهات (8/ 238) رقم (16842).
(¬2) شرح صحيح البخاري لابن بطال (8/ 487).
(¬3) تبصرة الحكام (2/ 219، 220).