كتاب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (اسم الجزء: 5)

{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)} (¬1). وقول اللَّه -تعالى-: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)} (¬2).
وأجيب عن ذلك: بما قاله القرطبي: "هذا استدلال سَاقِطٌ؛ لأن الذم هاهنا إنما وقع على ارتكاب ما نهى عنه لا عن نهيه عن المنكر، ولا شك أن النهي عن المنكر ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه" (¬3).
كما استدلوا بحديث أسامة بن زيد -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يوم الْقِيَامَةِ، فَيُلْقَى في النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ في النَّارِ، فَيَدُورُ كما يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عليه، فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ! ما شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كنْتَ تَأْمُرُنَا بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عن المُنْكَرِ؟ قال: كنت آمُرُكُمْ بِالمَعْرُوفِ ولا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عن المُنْكَرِ وَآتِيهِ" (¬4).
وربما استدلوا -أيضًا- من طريق القياس بأن هداية الغير فرع للاهتداء، وكذلك تقويم الغير فرع للاستقامة، والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح، فمن ليس بصالح في نفسه فكيف يصلح غيره؟ ! ومتى يستقيم الظل والعود أعوج؟ ! وأجيب عن ذلك كله: بما قاله الغزالي: "كل ما ذكروه خيالات، وإنما الحق أن للفاسق أن يحتسب، وبرهانه هو: أن نقول: هل يشترط في الاحتساب أن يكون متعاطيه معصومًا عن المعاصي كلها؟ فإن شرط ذلك فهو خرق للإجماع، ثم حسم لباب الاحتساب؛ إذ لا عصمة للصحابة فضلًا عمن دونهم، والأنبياء - عليهم السلام- قد اختُلف في عصمتهم عن الخطايا" (¬5).Rصحة الإجماع، ولا يُعتد بخلاف المبتدعة.
¬__________
(¬1) سورة البقرة، الآية: (44).
(¬2) سورة الصف، الآية: (3).
(¬3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (4/ 47).
(¬4) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة (4/ 121) رقم (3267)، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب: من يأمر بالمعروف ولا يفعله (4/ 2290) رقم (2989).
(¬5) المرجع نفسه.

الصفحة 467