فأرسل إلى الصحابة فاستشارهم وقال: قد شغلتُ نفسي بهذا الأمر، فما يصلح لي منه؟ فقال عثمان بن عفان وسعيد بن زيد: كل وأطعِمْ، فقال لعلي: ما تقول؟ فقال: غَداء وعَشاء، فأخذ بقول علي.
وفي رواية ابن سعدٍ أَيضًا: أن عمر (¬1) كان يَستَنْفِقُ درهمين كلَّ يومٍ له ولعياله، وأنفق في حجّته ثمانين ومئة درهم، وقال: قد أسرفنا (¬2).
ولما فتح اللَّه على المسلمين وقعة رستم (¬3)، وقدمت عليه فتوح الشام، شاور الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، وقال: ماذا تَرون يحلُّ للوالي من هذا المال؟ وإني كنت امرءًا تاجرًا أُعين أهلي بتجارتي، وقد شغلتموني بأمركم، فانظروا ماذا ترون؟ فأكثر القومُ وعليٌّ رضوان اللَّه عليه ساكت، فقال: يا علي، ما تقول؟ فقال: يحلُّ لك ما أصلحك وأصلح عيالَك بالمعروف، ليس لك غيرُ ذلك، فقال القوم: القولُ ما قال علي بن أبي طالب، فرضي به.
وعن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- (¬4) قال: لما ولي عمر قعد على رزق أبي بكر (¬5) الذي كانوا فرضوا له، فكان على ذلك مدّة، فاشتدت حاجتُه، فاجتمع نفرٌ من المهاجرين، منهم: عثمان وعلي وطلحة والزبير -رضي اللَّه عنهم-، فقال الزبير: لو قلنا لعمر في زيادة تزيدونه إياها في رزقه، قال علي: وَدِدنا أنه فعل بنا ذلك، فانطلقوا بنا، فقال عثمان، : إنه عمر! فهلموا لنَسبر ما عنده من وراء وراء، تعالوا ندخل على حفصة، فنكلِّمها ونَستكتمها أسماءنا، فدخلوا عليها، وسألوها أن تُخبره الخبر من غير تسميتهم، فأخبرته، فغضب وقال: مَن هؤلاء؟ فقالت لا سبيل إلى تسميتهم، فقال: لو علمتُ مَن هم لَسُؤتُ وجوهَهم، أَنْتَ بيني وبينهم، أُناشدك اللَّه، [ما أفضل] ما اقتنى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في بيتك من الملبَس؟ قالت ثوبَين مُمَشَّقَيْن كان يَلبَسهما للوفد، ويخطب فيهما للجُمَع والعيدين، قال: فأيّ
¬__________
(¬1) من قوله: فأرسل إلى الصحابة فاستشارهم. . . إلى هنا ليس في (خ) و (أ).
(¬2) طبقات ابن سعد 3/ 286 - 287.
(¬3) في الطبري 3/ 616، والمنتظم 4/ 196: وقتل رستم، وقد جمع المصنف بين روايتين لهذا الخبر واختصرهما.
(¬4) الخبر في الطبري 3/ 616: والمنتظم 4/ 197، وتاريخ دمشق 53/ 230 (الرسالة) من رواية سالم ابن عبد اللَّه.
(¬5) في (أ) و (خ): على رزق أرمل؟ ! والمثبت من الطبري والمنتظم وتاريخ دمشق.