كتاب مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلامية (اسم الجزء: 5)
1835 - حدثنا الصغاني، قال: ثنا شُجاعُ بن الوليد بن قيس (¬1)، قال: حدثني سُلَيْمان بن مِهْران (¬2)، عن شقِيْقَ بن سَلَمَة (¬3)، قال: "جاء رجلٌ يقال له نَهِيْكَ بن سِنَان (¬4) إلى عبد الله بن مسعود فقال: "يا أبا عبد الرحمن، أ"ياءً (¬5) " وجدْتَها أم "ألفًا" {مِنْ مَاءٍ غَيْرِ
-[112]- آسِنٍ} (¬6)؟ فقال له عبد الله: "أو كلَّ القرآن قد أَحْصَيْتَ إلا هذه؟ " قال: فقال: "إني لأقرأ المفصَّل (¬7) في ركعة"، فقال عبد الله: "أ (¬8) هَذًّا
-[113]- كهَذّ (¬9) الشِّعْر"؟! إنَّ رِجالًا يقرؤون القرآن لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهم (¬10) " (¬11)، ثم قال عبد الله: "إنِّي لأَعْلَمُ النظائِرَ (¬12) التي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ بهن (¬13)، سورتين في ركعة، ثم قام عبد الله وأَخَذَ بِيَدِ (¬14) عَلْقَمَةَ، فخرج
-[114]- إلينا، فقلنا: أَخْبَرَكَ بالنظائر؟ قال: "نعم: العشرون الأُوَلَ من المفَصَّلِ، منها سورة من آل {حم} (¬15): (الدخان) نظيرتُها: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1)}.
رواه أَبو معاوية (¬16) فقال: منها: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ}، و "النَّجْم"، و"الدخان"،
-[115]- و {الرَّحْمَنُ} " (¬17).
¬_________
(¬1) هو السَّكوني أَبو بَدْر الكوفي.
(¬2) هو الأعمش، وهنا موضع الالتقاء مع الإمام مسلم، ففد رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وابن نمير كلاهما: عن وكيع عن الأعمش به [الصحيح (1/ 563)] باب "ترتيل القرآن واجتناب الهذّ" -وهو الإفراط في السرعة- وإباحة سورتين فأكثر"، برقم (822).
(¬3) هو الأسدي أَبو وائل الكوفي.
(¬4) هو البجلي الكوفي.
ذكره ابن حبان في "الثقات" (5/ 480) وقال: "يروى عن ابن مسعود، وروى عنه: أَبو وائل". وترجم له الحافظ في "تعجيل المنفعة" (2/ 315) والحسيني في الإكمال (2/ 172)، (929) والعراقي في (ذيله) على الكاشف (ص 288)، (1598) - واكتفوا بالإشارة إلى ذكر ابن حبان له في "الثقات".
و"نهيك" بفتح أولها، وسكون المثناة تحت، تليها كاف. توضيح المشتبه (9/ 130).
(¬5) هذه القراءة ليست من السبعة، ولا من العشرة. =
-[112]- = انظر: إعراب القراءات السبع وعللها (2/ 323)، غاية الاختصار في القراءات العشر لأئمة الأنصار (2/ 660)، النشر لابن الجوزي (2/ 374)، تقريب المعاني في شرح حرز الأماني في القراءات السبع (ص 405)، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة (ص 295) فإن ابن كثير قرأ: "أَسِن" بفتح الهمزة من غير مدّ، مع كسر السين، وأما "ياسن" -بالياء- فإنه لم يذكرها ابن خالويه في "شواذ القراءات"، وذكرها أَبو حيان في البحر (8/ 79) فقال: وقرئ: "غير ياسن" بالياء، قال أَبو علي: وذكر على تخفيف الهمز".
(¬6) سورة (محمد): 15. وفي صحيح مسلم (1/ 563) بلفظ: "كيف تقرأ هذا الحرف: ألفًا تجده أو ياءً {مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} أو {مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ}؟ وعند ابن خزيمة في "صحيحه" (1/ 269 - 270): كيف تجد هذا الحرف: {مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} أو {ياسِنٍ}؟
وهذا أوضح مما عند المصنف هنا، ومثل المصنف عند أحمد في "المسند" (1/ 380).
(¬7) "المفصل": ما يلي المثاني من قِصَار السُّوَرِ، سمي "مفصلًا" لكثرة الفصول التي بين السور بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، وقيل: لقلة المنسوخ فيه. وآخره: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1)}.
وفي أوله اثنا عشر قولًا، على ما ذكره الزركشي في "البرهان"، ورحج أنَّ أوَّلَه: {ق}، ودلَّل لذلك. [البرهان في علوم القرآن (1/ 245 - 248)، وسردها السيوطي في "الإتقان" (1/ 180) - ط: دار التراث القاهرة- بغير ترجيح، ورجحه الحافظ في الفتح (2/ 302).
(¬8) همزة الاستفهام سقطت من المطبوع (1/ 162)، وهي موجودة في النسخ الثلاثة (م، ش، ل).
(¬9) أي: أتهذّ القرآن هَذًّا فتُسْرِعُ فيه كما تُسْرِعُ في قراءة الشعر؟
و"الهذّ" -بفتح الهاء وتشديد الذال-: شدَّةُ الإسراع والإفراطُ في العَجَلةِ".
انظر: النهاية (5/ 255)، شرح النووي لصحيح مسلم (6/ 105)، الفتح (2/ 302).
(¬10) "التراقي": جمع "ترقوة" وهو عظم يَصِلُ بين ثُغرة النَّحْرِ والعاتق من الجانبين، ووَزْنُه "فَعْلُوَة" -بالفتح-. انظر: المجموع المغيث (1/ 227)، النهاية (1/ 187).
ومعناه: إن رجالًا يقرؤون القوآنَ ولا حظَّ لهم من ذلك إلا مرورُه على اللسان، فلا يجاوز تراقيهم ليصل قلوبهم، وليس ذلك هو المطلوب، بل المطلوب تعلُّقُّه وتدبُّره بوقوعه القلب. شرح النووي لمسلم (6/ 105).
(¬11) في صحيح مسلم (1/ 563) هنا زيادة: "ولكن إذا وقع في القلب فرَسَخ فيه، نفع، إنّ أفضل الصلاة الركوعُ والسجود"، وكذلك عند ابن خزيمة في صحيحه (1/ 270) بلفظ "أَخْيَر" بدل "أَفْضَل" وعند أحمد في المسند (1/ 380) الجملة الأولى فقط.
(¬12) "النظائر" أي: "السور المتماثلة في المعاني كالموعظة أو الحكمة أو القصص لا المتماثلة في عدد الآيات". الفتح (2/ 303).
(¬13) في صحيح مسلم (822): "يقرن بينهن".
(¬14) وفي صحيح مسلم (822): "ثم قام عبد الله فدخل علقمة في إثْره، ثم خرج فقال: قد أخبرني بها" -هذا في رواية وكيع، وليس فيها- كذلك - ذكر العشرين المذكورة عند المصنف.
(¬15) قد سبق وأن نقلنا ترجيح القول بأن أول "المفصل" هو سورة: {ق} وبهذا لا تكون سورة: (الدخان) منه؛ فعدُّها -هنا- من المفصل مُشْكِلٌ، وأما رواية واصل الآتية برقم (1837) فقد فُصل فيها "الدخان" من المفصَّل فلا إشكال فيها، ولكن فيها إشكال من ناحية أخرى سيأتي استعراضه وإزالته في مكانه، إن شاء الله تعالى.
وأما الإشكال الوارد على هذه الرواية فقد أجاب عنه الحافظ في الفتح (2/ 303) بأن في قوله "عشرين سورة من المفصل" -كما في رواية شعبة عند البخاري (775) - تَجَوُّزًا، وقال في موضع آخر من الفتح (8/ 708): "وإطلاق "المفصَّل" على الجميع تغليبًا وإلّا "فالدخان " ليست من "المفصل" على المرجح، لكن يحتمل أن يكون تأليف ابن مسعود على خلاف تأليف غيره".
قلت: يشير إلى ما ورد من قول عكرمة في بعض الروايات -كرواية مسلم (822/ 276) - من طريق أبي معاوية -والتي أشار إليها المصنف- وكذلك رواية أبي حمزة عند البخاري (4996) وغيرها- وهو: "في تأليف عبد الله".
فالإشكال يَرِدُ على التأليف الموجود، والاحتمال ظاهرٌ أن يكون تأليفُ عبد الله يختلف بعض الشيء عن هذا التأليف، ومن القرائن على ظهور هذا الاحتمال تقييد الراوي "المفصل" بتأليف عبد الله، فلعله لاختلافٍ في الموردِ.
وقد ذكر النووي التوجيهَ الأولَ، وهو أن المراد في رواية "عشرين": أن "معظم العشرين من المفصل". [شرحه (6/ 107)].
(¬16) أخرجه مسلم من طريق أبي كريب عنه عن الأعمش به، وفيها: "فجاء علقمة ليدخل عليه، فقلنا له: سلْه عن النظائر التي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ بها في =
-[115]- = الركعة ... ". وفيها زيادة "في تأليف عبد الله"، كما سبقت الإشارة إليها.
الصحيح (1/ 564) كتاب صلاة المسافرين، باب "ترتيل القراءة ... " برقم (822/ 276) وكذلك أحمد في المسند (1/ 380) برقم (3596) نحوه.
(¬17) وأخرجه البخاري في "فضائل القرآن" -باب "تأليف القرآن" (4996) (8/ 655، مع الفتح)، عن عبدان، عن أَبي حمزة، عن الأعمش، به.
وفيه زيادة "على تأليف ابن مسعود، آخرهن الحواميم: "حم الدخان" و "عم يتساءلون".
من فوائد الاستخراج:
1 - الزيادة في المتن حيث إن رواية وكيع عند مسلم لم يأت فيها ذكر العشرين من المفصل أصلًا -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- وأما رواية أَبي معاوية عند مسلم فلم يأت فيها ذكر بعض السور التي ورد ذكرها في رواية المصنف هنا مثل "الدخان" وغيرها.
2 - روايةُ مسلم ذكرت شقيق بن سلمة بكنيته، ورواية أبي عوانة صرحت باسمه.