كتاب المصنف لعبد الرزاق الصنعاني - ط التأصيل (اسم الجزء: 5)

ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَمْ أُحَرِّمْ مَكَّةَ، وَلَكِنْ حَرَّمَهَا اللهُ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحْلِلْ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّمَا أَحَلَّهَا اللهُ لِي فِي سَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ.
قَالَ: ثُمَّ جَاءَهُ عُثْمَانُ بن عَفَّانَ بِابْنِ أَبِي سَرْحٍ، فَقَالَ: بَايِعْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَهُ أَيْضًا، فَقَالَ: بَايِعْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ أَعْرَضْتُ عَنْهُ، وَإِنِّي لأَظُنُّ بَعْضَكُمْ سَيَقْتُلُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَهَلاَّ أَوْمَضْتَ إِلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ لاَ يُومِضُ، وَكَأَنَّهُ رَآهُ غَدْرًا.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بن الْوَلِيدِ، فَقَاتَلَ بِمَنْ مَعَهُ صُفُوفَ قُرَيْشٍ بِأَسْفَلَ مَكَّةَ، حَتَّى هَزَمَهُمُ اللهُ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرُفِعَ عَنْهُمْ، فَدَخَلُوا فِي الدِّينِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحِ} حَتَّى خَتَمَهَا.
قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهِيَ كِنَانَةُ، وَمَنْ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ قَبْلَ حُنَيْنٍ، وَحُنَيْنٌ وَادٍ فِي قُبُلِ الطَّائِفِ ذُو مِيَاهٍ، وَبِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ عَجُزُ هَوَازِنَ، وَمَعَهُمْ ثَقِيفٌ، وَرَأْسُ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ مَالِكُ بن عَوْفٍ النَّضْرِيُّ، فَاقْتَتَلُوا بِحُنَيْنٍ، فَنَصَرَ اللهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالمُسْلِمِينَ، وَكَانَ يَوْمًا شَدِيدًا عَلَى النَّاسِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} الآيَةَ.
قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَلَّفُهُمْ، فَلِذَلِكَ بَعَثَ خَالِدَ بن الْوَلِيدِ يَوْمَئِذٍ.

الصفحة 45