كتاب أبحاث هيئة كبار العلماء (اسم الجزء: 5)

عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع: «ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون (¬1) » وذكر الحديث، فردهم تعالى مع التوبة إلى رؤوس أموالهم، وقال لهم: {لَا تُظْلَمُونَ} (¬2) في أخذ الربا، {وَلَا تُظْلَمُونَ} (¬3) في أن يتمسك بشيء من رؤوس أموالكم فتذهب أموالكم.
ويحتمل أن يكون {وَلَا تُظْلَمُونَ} (¬4) في مطل؛ لأن مطل الغني ظلم، فالمعنى: أنه يكون القضاء مع وضع الربا، وهكذا سنة الصلح، وهذا أشبه شيء بالصلح، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار إلى كعب بن مالك في دين ابن أبي حدرد بوضع الشطر، فقال كعب: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للآخر: «قم فاقضه (¬5) » فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات.
¬__________
(¬1) صحيح البخاري الحج (1785) ، صحيح مسلم كتاب الحج (1218) ، سنن الترمذي الحج (856) ، سنن النسائي مناسك الحج (2763) ، سنن أبو داود كتاب المناسك (1905) ، سنن ابن ماجه المناسك (3074) ، مسند أحمد بن حنبل (3/321) ، موطأ مالك الحج (836) ، سنن الدارمي كتاب المناسك (1850) .
(¬2) سورة البقرة الآية 272
(¬3) سورة البقرة الآية 279
(¬4) سورة البقرة الآية 279
(¬5) صحيح البخاري الصلاة (457) ، صحيح مسلم المساقاة (1558) ، سنن النسائي آداب القضاة (5408) ، سنن أبو داود الأقضية (3595) ، سنن ابن ماجه الأحكام (2429) ، سنن الدارمي البيوع (2587) .
وقال القرطبي أيضا في تفسير هذه الآية: تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه، وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه، فاستدل بعض العلماء بذلك على أن كل ما طرأ على البيع قبل القبض مما يوجب تحريم العقد أبطل العقد، كما إذا اشترى مسلم صيدا ثم أحرم المشتري أو البائع قبل القبض بطل البيع؛ لأنه طرأ عليه قبل القبض ما أوجب تحريم العقد، كما أبطل الله تعالى ما لم يقبض؛ لأنه طرأ عليه ما أوجب تحريمه قبل القبض، ولو كان مقبوضا لم يؤثر.
هذا مذهب أبي حنيفة، وهو قول لأصحاب الشافعي، ويستدل به على أن هلاك المبيع قبل القبض في يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد، خلافا لبعض السلف، ويروى هذا الخلاف عن أحمد، وهذا إنما يتمشى على قول من يقول: إن العقد في الربا كان في الأصل منعقدا، وإنما بطل بالإسلام الطارئ قبل القبض.

الصفحة 388