كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 5)
قال (¬١): وإذا فاضَلَ بينَ وَلَدِه في العَطِيَّةِ، أُمِرَ برَدِّه، كما أمَر النبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن مات ولم يرُدَّه، فقد ثَبَت لمن وُهِب له إذا كان ذلك في صِحَّتِه.
وقال طاوُسٌ: لا يجوزُ لأحَدٍ أن يُفَضِّلَ بعضَ ولَدِه على بعضٍ، فإنْ فعَلَ لم يَنْفُذْ، وفُسِخ. وبه قال أهلُ الظاهرِ؛ منهم داودُ وغيرُه (¬٢). ورُوِيَ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ مثلُه. وحُجَّتُهم في ذلك حديثُ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، المذكورُ في هذا البابِ؛ قولُه: "فارْجِعْه". حمَلوه على الوُجوبِ، وأبطَلوا عَطِيَّةَ الأبِ لبعضِ ولَدِه دونَ بعضٍ؛ لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: "فارْجِعْه". ولقولِه في حديثِ جابرٍ في هذه القِصَّةِ: "هذا لا يَصلُحُ، ولا أشْهَدُ إلَّا على حَقٍّ" (¬٣). قالوا: وما لم يكنْ حقًّا فهو باطِلٌ، والباطلُ مردودٌ (¬٤). وقد قال بعضُهم في هذا الحديثِ، عن النعمانِ: "هذا جَوْرٌ، ولا أشهَد على جَوْرٍ". ونحوُ هذا ممَّا احتَجَّ به أهلُ الظاهرِ (¬٥).
أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمدَانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بن حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال (¬٦): حدَّثنا يَعلَى، قال: حدَّثنا أبو حيانَ، عن الشعبيِّ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ هذا الحديثَ، قال: فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا بَشِيرُ، ألك ابنٌ غيرُ هذا؟ ". قال: نعم. قال: "فوهَبْتَ له مثلَ الذي وهَبتَ لهذا؟ ". قال: لا. قال: "فلا تُشهِدْني إذن، فإنِّي لا أشهَدُ (¬٧) على جَوْرٍ" (¬٨).
---------------
(¬١) انظر: المغني شرح مختصر الخرقي لابن قدامة ٦/ ٥١.
(¬٢) انظر: المحلى لابن حزم ٨/ ٩٥ و ٩٧.
(¬٣) سيخرجه المصنّف قريبًا.
(¬٤) قوله: "والباطل مردود" لم يرد في م.
(¬٥) انظر: المحلى ٨/ ٩٥ - ١٠٠.
(¬٦) في المسند ٣٠/ ٣١٤ (١٨٣٦٣).
(¬٧) قوله: "إذن فإني لا أشهد" سقط من م، وهو ثابت في الأصل وفي مسند أحمد الذي ينقل منه المصنّف.
(¬٨) وأخرجه البخاري (٢٦٥٠) من طريق عبد الله بن المبارك، ومسلم (١٦٢٣) من طريق علي بن مُسهِر، ومن طريق محمد بن بشر، ثلاثتهم عن أبي حيان - وهو يحيى بن سعيد بن حيّان التيمي - به.=