كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 5)

قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ شقيقٍ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، أنَّ رجلًا أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: دُلَّني على عملٍ إذا عمِلتُه دخلتُ الجنةَ. قال: "لا تَغضَبْ" (¬١).
قال أبو عُمر: هذا من الكلامِ القَليلِ الألفاظِ، الجامعِ للمعاني الكثيرة، والفَوائدِ الجَليلةِ، ومَن كظَم غيظَه، وردَّ غضبَه، أخزَى شيطانَه، وسلِمتْ لهُ (¬٢) مُروءتُه ودينُه، ولقد أحسنَ القائلُ (¬٣):
* لا يُعْرَفُ الحِلْمُ إلَّا ساعَةَ الغضَبِ *
وقال عليُّ بنُ ثابت (¬٤):
العَقْلُ آفَتُه الإعْجابُ والغَضَبُ ... والمآلُ آفَتُه التَّبْذِيرُ والنهبُ
وقال أبو العتاهية (¬٥):
ولم أرَ في الأعْداءِ حينَ اختبرتهم (¬٦) ... عَدُوًّا لعَقْلِ الرءِ أعْدَى من الغَضَبْ
وكلُّ هؤلاء إنَّما حاوَلوا ودندَنوا حولَ معنَى هذا الحديثِ، وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قد أُوتيَ جوامعَ الكلم - صلى الله عليه وسلم -.
---------------
(¬١) تقدم تخريجه قريبًا جدًّا.
(¬٢) سقطت من م.
(¬٣) لا يُعرف قائل هذا الشطر، وهو عَجُز بيت صدره:
مَن يَدَّعي الحِلْمَ أغضِبْه لِتعرِفَهُ
وقد ذكره أبو الحسن الماوردي في أدب الدنيا والدين ص ٢٥٦.
(¬٤) وذكره المصنّف أيضًا في جامع بيان العلم وفضله ١/ ٤٤٥ (٦٩٢) لكنه ذكره بلفظ: العلم، بدل: العقل.
(¬٥) البيت في ربيع الأبرار للزمخشري ٢/ ٢٢٠، وفي نهاية الأرب للنويري ٦/ ٩٥، والمستطرف للأبشيهي ١/ ٢٠١.
(¬٦) في م: "خبرتهم"، والمثبت من الأصل، وهو الذي في مصادر التخريج.

الصفحة 266