كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 5)

ثم نزَل في أوَّلِ اللَّيلِ، فصيحَ: الصَّلاةُ جامِعةٌ، فصلَّى جبريلُ بالنّبيِّ (¬١) - صلى الله عليه وسلم -، وصلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالناس؛ طوَّلَ في الأُولَيينِ، وقصَّرَ في الثالثة، ثم سلَّمَ جبريلُ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم، وسلَّم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على الناس. ثم لمَّا ذهَب ثُلثُ اللَّيلِ نزَل، فصيحَ: الصلاةُ جامعةٌ، فاجتَمعُوا، فصلَّى جبريلُ بالنّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وصلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالناس، فقرَأ في الأُوليين، فطوَّل وجهَر، وقصَّر في الثانيَتين، ثم سلَّم جبريلُ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم، وسلَّم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على الناس. فلمَّا طلَع الفَجرُ صيحَ: الصَّلاةُ جامِعةٌ، فصلَّى جبريلُ بالنّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وصلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالناس، فقرَأ فيهما فجهَر وطوَّلَ، ورفَع صوتَه، وسلَّم جبريلُ على النبيِّ عليهما السَّلامُ، وسلَّم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على الناس.
قال أبو عُمر: قولُه: "الصَّلاةُ جامِعةٌ"؛ لأنَّه لم يكنْ يومئذٍ أذانٌ، وإنَّما كانَ الأذانُ بالمَدِينَةِ بعدَ الهجرَةِ بعام أو نحوِه، حينَ أُريَه عبدُ الله بنُ زيدٍ في النوم.
فقال من ذكَرنا قولَه: حديثُ نافِع بنِ جُبيرٍ هذا مثلُ حديثِ الحَسَنِ؛ في أنَّ جبريلَ لم يُصلِّ في وقتِ فرضِ الصَّلاةِ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الصَّلواتِ الخَمسَ إلَّا مرَّةً واحدةً. وهو ظاهرُ حديثِ مالكٍ.
والجوابُ عن ذلك ما تقدَّمَ ذكرُنا له مِن الآثارِ الصِّحاح المُتَّصِلةِ في إمامَةِ جبريلَ لوَقتينِ وقولِه: "ما بينَ هذينِ وقتٌ"، وفيها زيادةٌ يجبُ قَبُولُها والعَمَلُ بها؛ لنقلِ العُدُولِ لها. وليس تَقصيرُ من قصَّرَ عن حفظِ ذلك وإتقانِه والإتيَانِ به بحُجَّةٍ، وإنَّما الحُجَّةُ في شَهادَةِ مَن شَهِد، لا في قَولِ من قصَّر عن حفظِ ذلك (¬٢) وأجمَلَ واختصَر. على أنَّ هذه الآثارَ مُنقطِعَةٌ، وإنَّما ذكَرناها لما وصَفنا، ولأنَّ فيها
---------------
(¬١) اختلفت النسخ بين "بالنبيّ" و"للنبي"، وبين: "بالناس" و"للناس"، وقد جاءتا في مصنَّف عبد الرزاق (١٧٧٣) كما أثبتنا، وبرقم (٢٠٣٠): "للنبي" و"للناس".
(¬٢) قوله: "عن حفظ ذلك" من ج.

الصفحة 336