كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 5)
أنَّ الصَّلاةَ فُرضَت في الحَضَرِ أربَعًا، لا رَكعتينِ، على خِلافِ ما زَعَمتْ عائِشةُ. وقال بذلك جماعةٌ، وردُّوا حديثَ عائشةَ، وإن كانَ إسنادُه صحيحًا، بضُرُوبٍ من الاعتِلالِ، سنذكُرُ ذلك كلَّه أو بعضه، في بابِ صالح بنِ كيسَانَ، من كتابِنا هذا إن شاءَ اللهُ، فعنه رَوَى مالِكٌ حديثَ عائشةَ أنَّ الصَّلاةَ فُرضت ركعتين، ثم زِيدَ في صَلاةِ الحَضَر (¬١).
ومن حُجَّةِ مَن ذهَب إلى أنَّ الصَّلاةَ فُرضت أربَعًا في الحَضرِ، وفي السَّفَرِ ركعتين، ولم يُزَدْ في شيءٍ من ذلك ولا نُقصَ، ما حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (¬٢): أخبرنا عمرُو بنُ عليِّ، قال: أخبرَنا يحيَى وعبدُ الرَّحمنِ، قالا: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن بُكيرِ بنِ الأخنَسِ، عن مُجاهدٍ، عن ابنِ عباس، قال: فُرضتِ الصَّلاةُ على لسانِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الحَضرِ أربعًا، وفي السَّفَرِ ركعتين، وفي الخَوفِ ركعةً.
قال أبو عُمر: يعني مع الإمام، ثم يُتمُّونَ برَكعةٍ أُخرى، واللهُ أعلمُ.
وقد قيلَ: إنَّ ركعةً تُجزئُ في الخوفِ، وليسَ هذا موضعَ ذكرِ اختلافِهم في صلاةِ الخوفِ.
وقالت طائِفةٌ: فرضُ الصَّلاةِ على حَسَبِ ما قد استُقِرَّ عليه في إجماع المسلمينَ، وقصْرُ الصَّلاةِ في السَّفَرِ كانَ بعدَ ذلك رُخصةً من الله عزَّ وجلَّ وصدَقَةً وتوسِعةً
---------------
(¬١) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٢٠٩ (٣٩٠) عن صالح بن كيسان عن عروة، عنها رضي الله عنها.
وأخرجه عن مالك البخاري (٣٥٠)، ومسلم (٦٨٥) (١). وهو ثاني أحاديث صالح بن كيسان عن عروة بن الزُّبير، وسيأتي مع مزيد كلامٍ عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
(¬٢) في الكبرى ١/ ٢٠١ (٣١٤)، وهو في المجتبى (٤٥٦). وأخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٨ (٢١٢٤)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (١٤٠)، ومسلم (٦٨٧) (٥)، وأبو داود (١٢٤٧)، وابن ماجة (١٠٦٨) من طرق عن أبي عوانة الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ، به.