كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 5)

ورحمَةً. قالوا: ولم يَقصُرْ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - آمنًا إلّا بعدَ نُزولِ آيةِ القَصْرِ في صلاةِ الخوفِ، وكان نُزولُها بالمدينَةِ، وفُرضَتِ الصَّلاةُ بمكَّةَ.
واحتَجُّوا بآثارٍ سنذكُرُها في بابِ ابنِ شهاب، عن رجُل من آلِ خالدِ بنِ أَسِيدٍ (¬١) إن شاء اللهُ تعالى؛ لأنَّه موضِعُها.
ومن حُجَّتِهم أيضًا: ما حدَّثناه أحمدُ بنُ فتح وعبدُ الرَّحمن بنُ يحيى، قالا: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدِ بنِ أبي رافِع البغداديُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِي، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا وُهيبُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ سَوادَةَ القُشيريُّ، عن أبيه، عن أنسِ بنِ مالكٍ - رَجُلٌ منهم - أتى المدينَةَ، وأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو يتغدَّى، فقال: "هلُمَّ إلى الغَدَاء". فقال: يا نَبيَّ الله، إنِّي صائِمٌ. فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ اللهَ وضَع عن المسافِرِ الصومَ وشَطْرَ الصَّلاةِ" (¬٢). قالوا: "ووضَع" لا يكونُ إلَّا من فَرض مُتقدِّم، واللهُ أعلمُ.
---------------
(¬١) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٢٠٩ (٣٨٩) عن ابن شهاب الزُّهريّ، عن رجلٍ من آل خالدِ بن أسِيد، أنه سأل عبدَ الله بنَ عمر؛ فذكره. وسيأتي في موضعه مع مزيد كلام عليه إن شاء الله تعالى.
(¬٢) أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٧١ عن مسلم بن إبراهيم، به. وأخرجه النسائي في المجتبى (٢٣١٥)، وفي الكبرى ٣/ ١٦٣ (٢٦٣٦)، والرُّوياني في مسنده (١٥٢٦)، والبيهقيّ في الكبرى ٣/ ١٥٤ (٥٦٩٥) من طرق عن مسلم بن إبراهيم، به.
مسلم بن إبراهيم: هو الأزدي الفراهيدي، ووهيب بن خالد: هو: ابن عجلان الباهليّ، وسوادة والد عبد الله: هو ابن حنظلة القُشيري البصريّ، صدوق حسن الحديث، فقد روى عنه جمعٌ، وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال أبو حاتم: شيخ، وروى له مسلم، وقال الذهبي في الكاشف كما في تحرير التقريب (٢٦٨٠): "ثقة"، وباقي رجال الإسناد ثقات.
ولكن هذا إسناد اختُلف فيه على عبد الله بن سوادة، فرواه أبو هلال محمد بن سُليم الراسبيّ عنه عن أنس بن مالك، وخالفه وُهيب بن خالد كما في هذا الحديث، فرواه عن عبد الله بن سوادة عن أبيه، فزاد في الإسناد "عن أبيه"، وسيأتي المصنّف على ذكر رواية أبي هلال الراسبي مضافةً إلى رواية أيوب السختياني وأبي قلابة تلو هذا الحديث.

الصفحة 338