كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 5)
وقولُه: فصارَتْ سُنَّةً قولٌ مُنكرٌ، وكذلك استثناءُ الشَّعبيِّ المغربَ وحدَها ولم يَذكُرِ الصبحَ، قولٌ لا معنَى له، ومن قال بهذا مِن أهلِ السِّيرِ قال: إنَّ الصَّلاةَ أُتِمَّت بالمَدينةِ بعدَ الهِجَرةِ بشَهرٍ وأربَعَةِ أيّام.
وقد أجمَعَ المسلمونَ أنَّ فرضَ الصَّلاةِ في الحضَرِ أربعٌ، إلَّا المغربَ والصُّبحَ، ولا يعرِفُون غيرَ ذلك عَمَلًا ونقلًا مُستفيضًا، ولا يضُرُّهم الاختِلافُ فيما كان أصلَ فرضِها، وإنَّما فائدةُ قولِ عائشةَ: فُرضتِ الصَّلاةُ ركعتين ركعتين - إن صحَّ قولُها - إيجابُ فرضِ القَصرِ في السَّفرِ، وسنُبيِّنُ اختلافَ العُلماء في ذلك ووجهَ الصَّوابِ فيه، إن شاء اللهُ، في باب صالح بنِ كيسانَ (¬١)، من كتابِنا هذا بحولِ الله.
وأجمَعوا أنَّ فرضَ الصَّلاةِ إنَّما كان في حينِ الإسراء. واختلَفُوا في تاريخِ الإسراء؛ قال أبو بكرٍ محمدُ بنُ عليِّ بنِ القاسم الذَّهبيُّ (¬٢) في تاريخه: ثمَّ أُسريَ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِن مكَّةَ إلى بيتِ المقدِسِ، وعُرِج به إلى السَّماء، بعدَ مَبعَثِه بثَمانيةَ عشرَ شَهرًا.
قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا مِن أهلِ السِّيرِ قال ما حَكَاهَ الذَّهبيُّ، ولم يُسنِدْ قَولَه إلى أحدٍ ممَّن يُضافُ إليه هذا العلمُ منهم، ولا رَفَعَه إلى مَنْ يُحتجُّ به عليهم.
وقال أبو إسحاقَ الحربيُّ: فلمَّا كانت ليلَةُ سَبع وعشرينَ من رَبيع الأوَّلِ (¬٣)،
---------------
(¬١) وهو الحديث المشار إليه في آخر التعليق السابق.
(¬٢) وقع له ذكرٌ في كتاب الصِّلة في تاريخ أئمَّة الأندلس لابن بشكوال ١/ ٤٤. في سياق ذكره الشيوخ الذين أخذ عنهم أحمد بن موفق بن نمر الأموي، فقال: "وأخذ عن أبي بكر محمد بن عليّ بن القاسم الذَّهبيّ"، وكذلك في تاريخ دمشق لابن عساكر ٣٣/ ٤٧.
(¬٣) وكذا نقل عن أبي إسحاق الحربيِّ ابن بطّال في شرح صحيح البخاري ٢/ ٦، ولكن نقل عنه القاضي عياض في إكمال المعلم ١/ ٣٢٥، والقرطبي في المفهم ١/ ٤٠٥، والنوويُّ في شرح صحيح مسلم ٢/ ٢٠٩، وابن حجر في الفتح ٧/ ٢٠٣ أنه قال: "كان في ربيع الآخر"، وما وقع =