كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 5)

قبلَ الهجرةِ بسنةٍ، أُسريَ برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وفُرضَ عليه خمسُونَ صلاةً، ثم نُقِصت إلى خمسٍ صلواتٍ، فأتاه جبريلُ فأمَّه عندَ البيتِ، فصلَّى الظُّهرَ أربعًا، والعَصرَ أربعًا، والمغرِبَ ثلاثًا، والعِشاء أربعًا، والفجرَ رَكعتينِ، كلُّ ذلكَ نحوُ بيتِ المَقدس، فلمَّا كانَ المَوسمُ مِن هذه السَّنةِ لقِيَه الأنصارُ فبايَعُوه ثمَّ انصرَفُوا. وذكر قِصَّةَ البَرَاءِ بنِ معرُورٍ، وصَلاتَه إلى الكعبةِ وحدَه، دُون النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ودونَ الناس، وقِصَّتُه مشهُورَةٌ عندَ جميع أهلِ العِلم بالسِّيرِ والأثَرِ (¬١). وهكذا قال: إنَّ صلاةَ جبريلَ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كانت بمكَّةَ إلى بيتِ المَقدِس. وهذا موضِعٌ قد خالَفه فيه مَنْ هو أكبرُ منه.
وروَى ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ (¬٢)، عن ابنِ شهاب، أنَّ عبدَ الرَّحمن بنَ كعبِ بنِ مالكٍ أخبرَه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لمَّا قَدِمَ المَدينَةَ مُهاجرًا، صلَّى نحوَ بيتِ المَقدسِ اثنَي عشًر شهرًا. وقد ذكَرَ ابنُ شهابِ أنَّ في صَلاتِه بمَكَّةَ اخْتِلافًا؛ قيلَ: كانت صَلاتُه إلى الكَعبَةِ. وقيلَ: إلى بيتِ المَقدِس.
---------------
= عند المصنِّف هنا وعند ابن بطّال عن إبراهيم الحربيِّ، أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ١/ ٢١٣ بأسانيد متعدِّدة عن أمِّ سلمة وعائشة وابن عباس وغيرهم - دخل حديثُ بعضهم في بعض - قالوا: أُسرِيَ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ سبعَ عشرةَ من شهر ربيعٍ الأوَّلِ قبل الهجرة بسنة".
وهذا ذكره ابن الجوزي في المنتظم ٣/ ٢٦، وقد تعرَّض ابن كثير في البداية والنهاية ٣/ ١٣٥ (إحياء التراث)، لقصة الإسراء، وأشار إلى بعض الروايات الواردة في ذلك وقال: "فعلى قول السِّنديّ يكون الإسراء في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزُّهري وعروة يكون في ربيع الأوّل".
(¬١) أخرج قصَّته عبد الرزاق في المصنَّف ١١/ ٣٣٧ - ٣٣٨ (٢٠٧٠٥)، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٣/ ٦١٩، والطحاوي في شرح المشكل ١٤/ ١٥١ (٥٥٣٨)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٥٣٤)، وابن مندة في معرفة الصحابة ١/ ٢٨٨، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٣٨٤ (٦٨٤٤) من طرقٍ عن ابن شهاب الزُّهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالكٍ في قصَّةٍ ذكرها، قال: "وكان البراءُ بنُ معرور أوَّل مَن استَقبلَ القِبْلةَ حيًّا وميتًا"، قال البيهقيُّ: وهو مرسلٌ جيِّدٌ.
(¬٢) في م: "موسى"، وهو تحريف بيّن، والمثبت من النسخ، فهو يونس بن يزيد الأيلي. وينظر: الأوائل للعسكري، ص ٢٢٧.

الصفحة 342