كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 5)
ففي قولِ ابنِ عباس هذا مِن الفِقه:
أنَّ الصَّلاةَ لم يُنسَخْ منها شيءٌ قبلَ القِبلةِ. وفيه: أنَّه كانَ يُصلِّي بمكَّةَ إلى الكعبةِ، وهو ظاهِرُه أنَّه لم يُصلِّ إلى بيتِ المقدسِ إلَّا بالمدينةِ، وقد يَحتملُ غيرَه. وسنذكُرُ الآثارَ في صَلاتِه إلى بيتِ المقدسِ، وتحويلِه بعدُ إلى الكعبَةِ، في بابِ يحيى بنِ سعيدٍ إن شاء الله (¬١).
وقال أبو إسحاقَ الحربيُّ: ثم قدِمَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ في ربيع الأوَّلِ، فصلَّى إلى بيتِ المقدسِ تمامَ سنةِ إحدَى عشْرَةَ، وصلَّى من سنَةِ ثنتينِ ستّةَ أشهر، ثم حُوِّلتِ القِبلةُ في رجب.
---------------
= لكن معنى هذا الحديث ثابتٌ عن ابن عباس من وجهٍ آخر صحيح، فقد أخرج أبو عبيد القاسم بن سلّام في الناسخ والمنسوخ، له، ص ١٨ (٢١)، عن حجّاج بن محمد - وهو المِصِّيصي - عن عبد الملك بن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء بن أبي رباح، عنه رضي الله عنهما قال: "أوّل ما نُسخ من القرآن شأْنُ القبلة، قال الله تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: ١١٥]، قال: فصلّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - نحوَ بيتِ المقدسِ وتَرك البيتَ العتيقَ، ثمَّ صَرَفَه الله تبارك وتعالى إلى البيت العتيق"، الحديثَ. وهذا إسنادٌ صحيح من جهة رواية عبد الملك بن جريج عن عطاء بن أبي رباح، وأمّا عثمان بن عطاء - وهو ابن أبي مسلم الخراساني - فهو ضعيف كما في تقريب التهذيب (٤٥٠٢)، وحجّاجُ بن محمد سمعه منهما.
وهو عند ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢١٢ (١١٢٣)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٢٦٨، ومن طريقه البيهقي في الكبرى ٢/ ١٢ (٢٣٣٧) من طرق عن حجّاج بن محمد المِصِّيصيِّ، به.
وليس في إسناد الأخيرين عثمان بن عطاء الخراساني.
(¬١) وذلك فيما أخرجه مالكٌ في الموطأ ١/ ٢٧١ (٥٢٥) عنه، عن سعيد بن المسيِّب أنه قال: "صلّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن قدِمَ المدينةَ، ستّةَ عشرَ شهرًا نحوَ بيت المقدس، ثمّ حوِّلت القِبْلةُ قبل بدرٍ بشهرين". وهو الحديث السادس ليحيى بن سعيد، وسيأتي مع مزيد كلامٍ عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.