كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 5)

تأمرُني يا رسولَ الله؟ فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "يَسألُني ابنُ أمِّ عبدٍ: كيفَ يفعلُ! لا طاعةَ لمخلُوقٍ في معصيةِ الله".
فإن ظنَّ ظانٌّ أنَّ في هذا الخبَرِ دليلًا على أنَّهم كانُوا يؤخِّرونَها حتى يخرُجَ الوقتُ كلُّه، ولهذا استحقُّوا اسمَ العِصيانِ للّه، قيلَ له: يَحتَمِلُ أن يكونَ قولُه خرَج على جُملةِ طاعَةِ الله وعِصيانِه في سائرِ الأُمورِ، وعلى أنَّه لا يُؤمَنُ على مَن كان شأنُه تأخيرَها أبدًا أن يَفُوتَه الوَقتُ.
وأمَّا الآثارُ عنهم فتدُلُّ على ما ذكَرنا.
وروَى معمرٌ (¬١)، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، أنَّ ابنَ مسعودٍ قال لأصحابِه يومًا: إنِّي لا آلُوكُم عن الوَقتِ. فصلَّى بهم الظُّهرَ - حسِبتُه قال: حينَ زالتِ الشمسُ - ثم قال: إنَّه سيكونُ عليكم (¬٢) أمراءُ يُؤخِّرون الصَّلاةَ، فصلُّوا الصَّلاةَ لوَقتِها، فإن أدرَكَتْكُم معهم فصلُّوا.
ومعمرٌ (¬٣)، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: إنَّكم في زمانٍ قليلٍ خُطباؤُه، كثيرٍ علماؤه، يُطيلُونَ الصَّلاةَ، ويُقصِّرونَ الخُطبَةَ، وإنَّه سيأتي عليكم زَمانٌ كثيرٌ خُطباؤُه، قليلٌ عُلماؤُه، يُطيلُون الخُطبَةَ، ويُؤَخِّرون الصَّلاةَ، حتى يُقال: هذا شَرَقُ الموتَى. قلتُ (¬٤): ما شَرَقُ المَوتَى؟ قال: إذا
---------------
(¬١) رواه عنه عبد الرزاق في المصنَّف ٢/ ٣٨٢ (٣٧٨٦) وعنده: "أدركتم" بدل: "أدركتُكم".
وأيوبُ: هو ابن أبي تميمة السّختيانيّ. وابن سيرين: هو محمّد. وهذا إسناد صحيح.
(¬٢) في م: "عليهم"، والمثبت يعضده ما في مصنَّف عبد الرزاق.
(¬٣) رواه عنه عبد الرزاق في المصنَّف ٢/ ٣٨٢ (٣٧٨٧). وأبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله بن عُبيد السَّبيعيُّ. وأبو الأحوص: هو عوف بن مالك بن نَضْلة الجُشَميّ. وهذا إسناد صحيح.
(¬٤) في الأصل: "قال له"، والمثبت من بقية النسخ، وهو الموافق لما في مصنف عبد الرزاق.

الصفحة 353